على حافة ميناء "القرارة" يبتلع "البحر" أحلام النازحين!
تاريخ النشر : 2026-01-13 12:39
ميناء القرارة

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

مضى أكثر من عام على ماجد قديح وأسرته وهم يعيشون النزوح داخل خيمة نُصبت في ميناء القرارة جنوبي قطاع غزة، ولا يزال يشعر أن ما يمرّ به ليس سوى "كابوس مزعج".

يشير إلى خيمته المتهالكة، المحاصرة بين مئات الخيام المكتظة في الميناء، ويقول لـ"نوى": "لا يمكن أن يكون هذا حقيقة.. لا أريد أن أُسلّم بهذا الواقع المرير".

تحوّل ميناء القرارة، وسائر موانئ قطاع غزة، وهي في الأصل مرافئ صغيرة للصيادين، إلى ملاذ طارئ لآلاف الأسر النازحة التي فتكت بها حرب الإبادة الإسرائيلية، ودمّرت منازلها، ولم تجد مأوى أو مساحة لنصب خيمة سوى في مواجهة موج البحر.

يضيف الرجل بحرقة: "كان البحر متنفسًا لنا قبل اندلاع الحرب، للرحلات والتنزه، أما اليوم فقد صار كابوسًا، وقعه ثقيل وقاسٍ بلا رحمة، خاصة في فصل الشتاء، مع الأمطار والرياح التي ترافق المنخفضات الجوية".

"إنها مأساة متجددة"، يقول قديح، فيما كان منهمكًا مع أبنائه في تثبيت أوتاد خيمته التي اقتلعتها رياح عاتية وغمرتها مياه الأمطار.

ويكمل بقلب مثقل بالألم: "هذا حالنا مع كل مطر، ومهما كان خفيفًا، فإن وقعه علينا يكون قاسيًا، فهذه الخيام غير مخصصة لمثل هذه الأجواء.. إنها غير صالحة للعيش صيفًا أو شتاءً".

في أحد المنخفضات الجوية التي ضربت قطاع غزة الشهر الماضي، وهو واحد من سلسلة منخفضات باتت تؤرق الغزيين وتعمّق مأساتهم، ارتفعت أمواج البحر وأغرقت عددًا كبيرًا من الخيام في ميناء القرارة، ومناطق أخرى متاخمة لشاطئ البحر.

يخبرنا: "البحر ليس مكانًا مناسبًا لنازحين لا يعرفون مصيرهم، ولا متى تنتهي هذه الأزمة. نحن نعيش هنا من دون أن نعرف إلى متى، أو أين ستكون وجهتنا القادمة، وقد دُمّرت منازلنا كليًا".

ومع كل يومٍ يمرّ عليه من دون "مصيبة"، على حد وصفه، يشعر قديح بأنها "نجاة جديدة". فالموت، برأيه، لا يقتصر على الرصاص والصواريخ، بل له في غزة وجوه كثيرة، مشيرًا بألم إلى وفيات متكررة داخل الخيام لأطفال ومسنين نتيجة البرد القارس.

قبل اندلاع الحرب على قطاع غزة في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023م، كان البحر بالنسبة لقديح وأغلبية الغزيين الوجهة المفضلة للترفيه والسياحة الداخلية. يعقب: "الحرب سرقت منا كل لحظاتنا الجميلة، ولم نعد نحن البشر كما كنا، فالهموم اليومية تركت أثرها على تفكيرنا واهتماماتنا".

"من يفكر الآن في السباحة؟" يتساءل قديح وهو يشير إلى البحر، الذي تجوبه الزوارق الحربية الإسرائيلية، ناشرة الرعب والموت في الأرجاء. فقد سبق أن فتحت نيران أسلحتها الرشاشة تجاه خيام النازحين في الميناء وعلى امتداد الساحل، ولم يسلم منها الصيادون قتلًا وجرحًا واعتقالًا.

نسيم (14 عامًا)، نجل ماجد، قاطع والده ليخبر "نوى" كم يخشى ممارسة هوايته في القفز من فوق "لسان الميناء" إلى البحر، خشية إطلاق زوارق الاحتلال النار عليه وقتله.

يستعيد الطفل ذكريات الرحلات البحرية العائلية قبيل الحرب، حين كانت والدته تُعدّ لهم "المقلوبة"، ويحملون الفواكه والمسليات، ويقضون يومًا كاملًا في الميناء وعلى شاطئ البحر من الصباح حتى مغيب الشمس.

ويقول والده: "الحرب دمرت حياتنا وكل ما هو جميل فيها، مهما بدا بسيطًا، خاصة بالنسبة للأطفال والنساء، الذين فُرضت عليهم ظروف قاسية وتجارب نزوح مريرة".

"لم يعد كل شيء هنا في غزة كما كان قبل هذه الحرب المجنونة"، يتابع قديح، مشيرًا إلى أن الميناء كان وجهته الليلية مع أصدقائه، حيث السهر والحديث ومشاهدة البحر. "أما اليوم، فقد تحوّل هذا المشهد إلى كابوس يعيشه النازحون، يخشون أن تقتلعهم الأمواج وخيامهم في أي لحظة" يستدرك.

ويردف: "لم يعد الميناء مرفقًا ترفيهيًا هادئًا ووجهة للعائلات، بل أصبح شاهدًا على مأساة الإبادة الجماعية والنزوح المرير".

"هذه المرافئ كانت أيضًا وجهات سياحية للشبان والعائلات، تعجّ بمظاهر الحياة، لكنها اليوم فقدت هويتها، وخيّم عليها الحزن والكآبة، ولفّتها مآسي النازحين الذين دمرت الحرب منازلهم".

وتتفاقم المعاناة مع أزمات انقطاع الكهرباء وغاز الطهي، ما يثقل كاهل نحو مليون ونصف المليون نازح، ولا سيما مئات الآلاف ممن يعيشون في خيام بالية وهشة تنتشر في ميناء القرارة وسائر الموانئ وعلى امتداد شاطئ البحر، حيث يقاسون برد الشتاء القارس من دون أي وسيلة للتدفئة.

ويقول قديح إن "العناية الإلهية" كانت رحيمة بجاره، بعدما التهمت نيران أشعلها لتدفئة أطفاله الخيمة المتهالكة التي كانوا ينزحون بها في الميناء.

من جانبه، يقول مسؤول لجان الصيادين في اتحاد لجان العمل الزراعي، زكريا بكر: "ليس لدينا في قطاع غزة موانئ حقيقية، بل مرافئ صغيرة في شمالي القطاع وجنوبه، يستخدمها الصيادون ليستمروا في عملهم المتوارث عبر الأجيال، رغم المخاطر التي تعرضوا لها من الاحتلال على مدار سنوات طويلة سبقت اندلاع الحرب".

"هذه الموانئ كانت هدفًا مباشرًا للاحتلال منذ اندلاع الحرب، إذ تعرضت لقصف جوي وبحري متكرر، دُمّرت خلاله المرافئ ومراكب الصيادين ومعداتهم".

ويضيف لـ"نوى": "هذه المرافئ كانت أيضًا وجهات سياحية للشبان والعائلات، تعجّ بمظاهر الحياة، لكنها اليوم فقدت هويتها، وخيّم عليها الحزن والكآبة، ولفّتها مآسي النازحين الذين دمرت الحرب منازلهم، ولم يجدوا مأوى سوى خيام تعبث بها الرياح وتتهددها أمواج البحر".

ويشير بكر إلى أن هذه الموانئ كانت هدفًا مباشرًا للاحتلال منذ اندلاع الحرب، إذ تعرضت لقصف جوي وبحري متكرر، دُمّرت خلاله المرافئ ومراكب الصيادين ومعداتهم. غير أنه يتحدث بعزيمة واضحة، مؤكدًا أن هذا التدمير لن يمحو الهوية والذاكرة من الفلسطيني، الذي اعتاد عبر عقود طويلة مقاومة الفناء، وسيعيد بإرادته بناء ما دمّره الاحتلال.