غزة/ القاهرة- شبكة نوى- فلسطينيات:
صُدمت حورية النجار، التي تخوض معركة مفتوحة مع مرض السرطان في العاصمة المصرية، القاهرة، برسالة إلكترونية قصيرة، لكنها كانت كافية لقلب ما تبقى من استقرار هش في حياتها: قرار بفصلها من عملها معلمةً في وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا).
لم يتضمن البريد أي تمهيد إنساني، ولا اعتراف بسنوات الخدمة، ولا حتى إشارة إلى وضعها الصحي. كان قرارًا جافًا، وصل في توقيت قاسٍ، ليضيف عبئًا جديدًا إلى جسدٍ منهك ونفسٍ مثقلة بالقلق.
بصوت مختنق ومرارة لا تخفى، تتساءل حورية: "أشعر أنني عوقبت لأنني مريضة. سافرت للعلاج وهذا حقي، فكيف يتحول الحق إلى تهمة؟". سؤالها لا يخصها وحدها، بل يختصر مأزق مئات الموظفات والموظفين الذين وجدوا أنفسهم فجأة خارج وظائفهم، في ذروة حرب، ووسط أوضاع إنسانية غير مسبوقة.
قرار الفصل المفاجئ وضع حورية في مواجهة مزدوجة مع المرض والفقدان. فقدت مصدر دخلها الوحيد في ذروة احتياجها للعلاج.
في السادس من يناير/كانون الثاني 2026م، تلقى 620 موظفة وموظفًا من موظفي "أونروا" المتواجدين خارج قطاع غزة، قرارات فصل نهائية من أعمالهم، بعد مسار إداري بدأ منذ مارس/آذار 2025م، حين جرى تحويلهم إلى "إجازة استثنائية دون راتب" لمدة عام.
القرار شمل موظفين كانوا، بحسب شهاداتهم، على رأس عملهم فعليًا، ويؤدون مهامهم عن بُعد، تمامًا كما حدث مع حورية.
أصيبت حورية بسرطان الثدي في ديسمبر/كانون الأول 2023م، لكن الحرب حالت دون سفرها للعلاج في حينه، إلى أن تفاقم المرض وانتشر إلى العظم والكبد.
تقول: "رفضت المغادرة في البداية خوفًا على أطفالي، غير أن خطورة وضعي الصحي دفعت الطبيب وزوجي وشقيقي للإصرار على سفري في أبريل/نيسان 2024م. هناك، بدأت رحلة علاج قاسية بالكيماوي والعلاج الهرموني، فيما لم أنقطع يومًا عن عملي، مستفيدة من توفر الكهرباء والإنترنت في القاهرة".
ترفض حورية التوقيع على قرار فصلها، وتصر على المطالبة بحقها عبر الأطر القانونية لـ"أونروا"، مدعومةً بوثائق تثبت قانونية وضعها، خشية أن يحرمها التوقيع من حقوق أخرى.
قرار الفصل المفاجئ وضعها في مواجهة مزدوجة مع المرض والفقدان. فقدت مصدر دخلها الوحيد في ذروة احتياجها للعلاج، وهي التي عملت معلمة على بند العقد منذ عام 2010م، قبل أن تُثبَّت رسميًا في 2020م.
تخبرنا أن للقرار تبعات صحية ونفسية خطيرة، إذ صعّب عليها الاستمرار في العلاج وتحمل تكاليفه، وزاد من معاناتها النفسية، عادةً ما جرى فصلًا تعسفيًا وانتهاكًا لحقوق أساسية، ومفارقة قاسية من مؤسسة يفترض أن تكون إنسانية في جوهرها.
ورغم ذلك، ترفض حورية التوقيع على قرار فصلها، وتصر على المطالبة بحقها عبر الأطر القانونية لـ"أونروا"، مدعومةً بوثائق تثبت قانونية وضعها، خشية أن يحرمها التوقيع من حقوق أخرى، مثل مكافأة نهاية الخدمة.

قصة حورية تتقاطع مع عشرات القصص المشابهة. موظفة إدارية أخرى، تصادف سفرها خارج غزة قبل اندلاع الحرب بإجازة رسمية غير مدفوعة لمدة 45 يومًا. تحكي أنها واصلت عملها عن بُعد عقب انتهاء الإجازة، بحكم طبيعة عملها وتوفر الإمكانيات.
هذه الموظفة، التي أمضت ثلاثين عامًا في خدمة "أونروا"، فوجئت قبل عام بقرار تحويلها إلى إجازة استثنائية دون راتب، ثم تلقت مؤخرًا قرار الفصل، رغم استمرارها في أداء مهامها دون تقصير.
تؤكد أنها هي وزملاءها تقدموا بدعوى أمام محكمة "أونروا" للطعن في القرار الأول، إلا أن قرار الفصل الجديد يهدد قدرتهم على متابعة المسار القانوني، فضلًا عن ضياع حقوقهم الوظيفية. وتتساءل بمرارة: "إذا أرادوا فصلنا، فلماذا نحرم حتى من مكافأة نهاية الخدمة؟ ولماذا تُحل الضائقة المالية –إن وُجدت– على حسابنا نحن؟".
بدوره، يتحدث المهندس حسن زغبر، أحد المفصولين، والمتحدث باسم زملائه، عن خروجه من غزة في أبريل/نيسان 2024م لإنقاذ عائلته من الانهيار النفسي تحت القصف.
قال: "دفعت 25 ألف دولار لتأمين خروج أطفالي الخمسة، ورغم النزوح ثم السفر، واصلتُ العمل عن بُعد، بل وتحملتُ أعباء إضافية بحكم توفر الإمكانيات".
زغبر، الذي يعمل محاضرًا في كلية تدريب غزة منذ عشرين عامًا، يؤكد أن الموظفين خارج القطاع لم يقصروا في أداء واجباتهم، بل تحملوا العبء الأكبر في متابعة الطلبة مع عودة الفصل الدراسي، مشيرًا إلى أن قرار تحويلهم إلى إجازة استثنائية جاء برسالة هاتفية، خلال دعوة "أونروا" لهم لحضور يوم ترفيهي قيل إنه مخصص للاستماع إلى مشاكلهم واحتياجاتهم.
"كيف تنقلب المواقف بهذا الشكل، بينما القوانين الدولية، بل وأونروا نفسها، شجعت موظفيها منذ بداية الحرب على اللجوء إلى أماكن آمنة؟".
يتساءل زغبر: "كيف تنقلب المواقف بهذا الشكل، بينما القوانين الدولية، بل وأونروا نفسها، شجعت موظفيها منذ بداية الحرب على اللجوء إلى أماكن آمنة؟".
ويضيف: "85% من المفصولين نساء، وعددٌ كبيرٌ منهم سافروا للعلاج، سواء لأنفسهم أو لأحد أبنائهم".
في المقابل، سارعت قوى وفصائل فلسطينية إلى إدانة القرار، وعدّته جزءًا من مسار يستهدف تفريغ "أونروا" من كوادرها المحلية، تمهيدًا لإضعاف دورها كشاهد أممي على قضية اللاجئين. كما أطلقت الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني (حشد) نداءً عاجلًا لحماية حقوق العاملين، محذرة من أبعاد سياسية وإدارية خطيرة للقرار.
ويقول مدير الهيئة، د. صلاح عبد العاطي: "إن التبرير المالي الذي تسوقه الإدارة شكلي، إذ يظهر التحليل المالي أن التوفير محدود، فيما يتزامن القرار مع إجراءات أخرى، مثل وقف التعيينات، في سياق يبدو جزءًا من استراتيجية أوسع لإضعاف الكوادر الفلسطينية وتقويض دور الوكالة"، واصفًا ما جرى بأنه فصل تعسفي جماعي، لم يستند إلى الإجراءات القانونية المعتمدة، وينتهك اتفاقيات منظمة العمل الدولية والقانون الدولي الإنساني، خصوصًا في ظل كون الموظفين ضحايا نزاع وإبادة.
"مسارات قانونية متعددة يمكن للموظفين سلوكها: لجان الشكاوى الداخلية، ومنظمة العمل الدولية، والمقررين الخاصين في الأمم المتحدة، إضافة إلى التنسيق النقابي والجماعي".
ويشير عبد العاطي إلى مسارات قانونية متعددة يمكن للموظفين سلوكها، من لجان الشكاوى الداخلية، إلى منظمة العمل الدولية، والمقررين الخاصين في الأمم المتحدة، إضافة إلى التنسيق النقابي والجماعي. محذرًا من الآثار الاقتصادية والنفسية والاجتماعية الخطيرة للقرار، الذي حرم مئات العائلات من مصادر دخلها في ظرف استثنائي.
تجدر الإشارة إلى أن "نوى" حاولت الحصول على رد رسمي من "أونروا"، إلا أن الوكالة أفادت بأنها ممنوعة من الحديث في هذا الشأن.
