موتٌ مؤجل سكَنَ منزل "لُبّد".. لم يكن انهيارًا كان تتمّة!
تاريخ النشر : 2026-01-11 10:07

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

وقف عدد من أفراد عائلة لبد، بصمتٍ ثقيل، أمام أكوام الركام المتناثرة، يحدّقون فيما تبقّى من منزلهم الذي كان يومًا ملاذهم الأخير.
حجارة مكسّرة، أسقف منهارة، وأثاث مدفون تحت الأنقاض، تختلط فيه آثار الأمطار بآثار الدمار القديم الذي خلّفه القصف الإسرائيلي.
في هذا المكان، وتحت هذه الركام، فقدت العائلة خمسة من أحبّتها، بعدما انهار المنزل فوق رؤوس ساكنيه خلال المنخفض الجوي الأخير الذي ضرب قطاع غزة.

لم يكن هذا المنزل، الواقع في حي الشيخ رضوان شمال غرب مدينة غزة، غريبًا عن الدمار. فقد تعرّض للقصف الإسرائيلي أكثر من مرة خلال الحرب، ما ألحق أضرارًا جسيمة في أساساته وأسقفه، وجعله غير صالح للسكن وفق أبسط معايير السلامة. غير أن غياب أي بديل آمن، وانعدام المأوى، أجبر العائلة على الإقامة فيه، رغم المخاطر المحدقة.

"العائلة اضطرت للسكن في هذا المنزل المتصدّع، بعد أن أثبتت الخيام عجزها الكامل عن حمايتهم من البرد والأمطار خلال الأسابيع الماضية".

في مساء يوم السبت الموافق 20 ديسمبر الماضي، وبينما كانت الأمطار الغزيرة تهطل والرياح تعصف بالمنطقة، دوّى صوتٌ هائل يشبه الانفجار. وبعد ثوانٍ معدودة، انهار المبنى المكوّن من أربعة طوابق بشكل كامل، مطبقًا على من بداخله، في مشهد أعاد إلى الأذهان صور القصف، لكن هذه المرة دون صواريخ.

يقول محمد لبد، أحد الناجين، وهو يقف قرب الركام، بينما يشير إلى مكان غرف كانت تؤوي عائلته: "هذا الطابق كان يسكنه إخوتي وأبناؤهم، كنا نعلم أن البيت متضرر، لكن لم يكن أمامنا خيار آخر".

ويوضح أن المنزل كان يقطنه عدد من أفراد العائلة الممتدة، بعد أن دُمّرت منازلهم أو أصبحت غير آمنة بفعل القصف الإسرائيلي.

ويضيف: "العائلة اضطرت للسكن في هذا المنزل المتصدّع، بعد أن أثبتت الخيام عجزها الكامل عن حمايتهم من البرد والأمطار خلال الأسابيع الماضية"، مردفًا بصوتٍ متهدّج: "ظننا أن الجدران المتشققة قد تحمينا من المطر، لكنها لم تحمِنا من الموت".

أسفر انهيار الطابقين الثالث والرابع عن التحام الأسقف ببعضها البعض، ما أدى إلى استشهاد رانية لبد، في الخمسينيات من عمرها، وزوجها محمد لبد، وابنتهما سندس (18 عامًا). كما استشهدت إيمان لبد، التي كانت تقيم في الطابق الرابع، لتلتحق بعائلة كاملة سبق أن فقدتها خلال الحرب.

ويشير محمد إلى أن زوجها أكرم لبد، وأبناءها الثلاثة: أسامة (21 عامًا)، وبراء (20 عامًا)، ومحمد (19 عامًا)، استشهدوا بتاريخ 18 أكتوبر 2023م أثناء محاولتهم إنقاذ مواطنين، بعد أن استهدفتهم طائرات الاحتلال الإسرائيلي. كما استشهدت ابنتهم جنى، في مشهد يعكس حجم النزيف المستمر الذي تعانيه العائلات في قطاع غزة.

ولم تتوقف المأساة عند هذا الحد؛ إذ استشهدت الطفلة جنى (17 عامًا)، فيما أُصيبت الطفلة آية (4 أعوام) ببتر في أصابع قدمها اليمنى وكسر في الجمجمة، وتعرّض الطفل كريم (8 أعوام) لإصابات متفرقة، نُقل على إثرها إلى المستشفى لتلقي العلاج.

المنزل تعرّض لقصف مباشر في 28 أغسطس 2023م، ما أدى إلى تضرر أجزاء واسعة منه. رغم ذلك، لم تتوفر أي بدائل للسكن، ما اضطر العائلة للعودة.

ويؤكد محمد لبد أن المنزل كان قد تعرّض لقصف مباشر في 28 أغسطس 2023م، ما أدى إلى تضرر أجزاء واسعة منه ووقوع إصابات بين أفراد العائلة آنذاك. ورغم ذلك، لم تتوفر أي بدائل للسكن، لا منازل آمنة ولا كرفانات، ما اضطرهم للعودة إلى بيت يعلمون أنه مهدد بالانهيار في أية لحظة.

من جهته، قال المتحدث باسم الدفاع المدني في غزة، محمود بصل: "ما جرى مع عائلة لبد ليس حادثًا فرديًا، بل نموذجًا لما يواجهه آلاف المواطنين في القطاع".

وأوضح بصل أن نحو 90% من المباني القائمة في حي الشيخ رضوان وحده، باتت مهددة بالسقوط، نتيجة الأضرار الجسيمة التي لحقت بها خلال اجتياحات نفذها جيش الاحتلال الإسرائيلي، استخدمت فيها روبوتات مفخخة لتدمير المنازل، ما أدى إلى إضعاف أساسات المباني المتبقية.

المنخفضات الجوية الأخيرة تسببت في انهيار 18 بناية سكنية بشكل كامل، إضافة إلى أكثر من 110 بنايات تعرضت لانهيارات جزئية خطيرة، تشكل تهديدًا مباشرًا لحياة آلاف المواطنين.

وأشار إلى أن المنخفضات الجوية الأخيرة تسببت في انهيار 18 بناية سكنية بشكل كامل، إضافة إلى أكثر من 110 بنايات تعرضت لانهيارات جزئية خطيرة، تشكل تهديدًا مباشرًا لحياة آلاف المواطنين، في ظل استمرار الأحوال الجوية القاسية وتدهور البنية التحتية.

كما لفت إلى أن أكثر من 90% من خيام النازحين تطايرت أو غرقت بفعل الأمطار والرياح، ما أدى إلى فقدان آلاف الأسر لمأواها المؤقت، وتلف ممتلكاتهم الأساسية، وتفاقم حجم الكارثة الإنسانية.

وبيّن أن تداعيات المنخفضات الجوية أسفرت عن وفاة 25 مواطنًا، من بينهم ستة أطفال قضوا بسبب البرد القارس، فيما توفي آخرون جراء انهيارات المباني أو السقوط في آبار وبرك مياه الأمطار.

وجدد الدفاع المدني دعوته العاجلة إلى المجتمع الدولي؛ للتحرك الفوري من أجل توفير مأوى آمن، كالكرفانات أو البيوت المؤقتة، إلى حين الشروع في إعادة إعمار ما دمرته الحرب، مؤكدًا أن الخيام لم تعد حلًا إنسانيًا قابلًا للحياة في قطاع غزة.

وتبقى عائلة لبد، وهي تقف اليوم أمام ركام منزلها، شاهدًا حيًا على أن القصف لا ينتهي بانفجار الصاروخ، بل تواصل آثاره عملها طويلًا، لتحصد الأرواح حتى مع أول زخة مطر.