معايير "الإغاثة" بغزة.. عازبات في "المنطقة العمياء"!
تاريخ النشر : 2026-01-04 15:52
صورة تعبيرية

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

تجلس "أسماء المزنر" (38 عامًا) داخل خيمتها المهترئة، تلك التي لا تملك من ملامح البيوت سوى اسمها، تحاول أن تلملم شتات روحها بعد أن فقدت بيتها في حربٍ لم تترك حجرًا على حجر.

تتحدث أسماء والوجعُ يسبق كلماتها، لتروي مرارة إقصائها من منظومة الدعم الإنساني في قطاع غزة، وحرمانها من أبسط حقوقها الإغاثية في ظل هذه الحرب الطاحنة. تقول: "طرقتُ أبواب المؤسسات المحلية والدولية، وقدمتُ أوراقي الثبوتية التي تؤكد استحقاقي، لكن كل المحاولات باءت بالفشل؛ والسبب أنني فردٌ وحيد، لستُ ربّة أسرة، ولستُ في نظرهم مَن يعيل".

ذهبت سهيلة إلى مقر وزارة التنمية تحمل كسر قلبها وشكواها، تطالب بحقها في المساعدات، فكان جواب الموظفين كوقع قذيفة: "اسمكِ ليس ضمن الفئات المستحقة".

ورغم أن أسماء تمثل إحدى الفئات الأكثر هشاشة داخل المجتمع الفلسطيني في قطاع غزة، ورغم أن الحرب استنزفت كل ما تملكه، إلا أن معايير المؤسسات وضعتها في "المنطقة العمياء"، وكأن مَن تعيش وحدها لا تجوع ولا تبرد.

في زاويةٍ أخرى من هذا المشهد القاسي، تمر بالقرب "سهيلة عطالله" (42 عامًا)، المرأة التي لم تكتفِ الحرب بهدم بيتها، بل غيبت عائلتها بأكملها تحت الأنقاض.

ذهبت سهيلة إلى مقر وزارة التنمية الاجتماعية تحمل كسر قلبها وشكواها، تطالب بحقها في المساعدات التي لا تصلها إلا نادرًا، فكان جواب الموظفين كوقع القذيفة: "اسمكِ ليس ضمن الفئات المستحقة، هذه قرارات الجهات المانحة".

تطالب سهيلة بآلية خاصة تنظر إلى "العازبات" كبشرٍ يواجهن ظروفًا اقتصادية واجتماعية تفوق الوصف، بدلًا من تركهن للريح دون حماية.

أما "ولاء حميدان" (40 عامًا)، فكانت حكايتها مع "هيئة البترول والغاز" فصلًا جديدًا من الخيبة. سارعت ولاء لتسجيل اسمها حين علمت بفتح رابطٍ إلكتروني للعازبين فوق سن الأربعين، استبشرت خيرًا لعلها تظفر بأسطوانة غاز تعينها على طهي القليل مما تيسر بدلًا من دخان الحطب الذي أنهك رئتيها، لكن فرحتها تبددت كالدخان؛ إذ عادت الجهات المسؤولة لتصنفها خارج دائرة الاستحقاق لأنها ليست "ربة أسرة".

هكذا، "تجد المرأة نفسها في غزة محاصرة بين نار الحرب ونار المعايير التي لا تنصف الفردية الإنسانية" تقول.

بدورها، توضح د.عزيزة الكحلوت، المتحدثة باسم وزارة التنمية الاجتماعية بغزة، أن هذا "الإقصاء" ليس مطلقًا، بل هو نتاج معايير تفرضها طبيعة برامج الحماية وشح الإمكانات.

الكحلوت: الوزارة تصنف الإناث فوق سن الأربعين ضمن الفئات الهشة لصعوبة فرص العمل، أما مَن هن دون الأربعين، فيخضعن لتقييم "الهشاشة الشاملة".

وتبين أن الوزارة تصنف الإناث فوق سن الأربعين ضمن الفئات الهشة لصعوبة فرص العمل، أما مَن هن دون الأربعين، فيخضعن لتقييم "الهشاشة الشاملة".

وفي ظل ندرة الموارد (والحديث للكحلوت) تُمنح الأولوية للأسر التي تضم أطفالًا أو مرضى أو ذوي إعاقة، مما يخلق هذا الانطباع بالإقصاء.

وتسرد معايير الاستحقاق التي تشمل "الأسرة النووية"، والمطلقة بعد الدخول، والأرملة، والمتأخرة في الزواج ممن تجاوز عمرها الأربعين، وزوجات الغائبين والأسرى، والمهجورات، والأيتام القصر، مؤكدةً أن الوزارة تعمل على خطط مستقبلية لتطوير المعايير بما يراعي "الفقر الفردي"، وتعزيز إدراج العازبات في برامج الدعم النقدي المرن، لكن تنفيذ ذلك يظل مرهونًا بتمويل الشركاء الدوليين.

"الاستبعاد يؤدي إلى تدهور الصحة النفسية والجسدية، ويزيد من حدة الفقر والبطالة التي وصلت بين النساء في غزة إلى 90%، بينما تجاوزت معدلات الفقر 80%".

هذا التهميش ليس مجرد خللٍ في التوزيع، بل هو طعنة في الخاصرة النفسية للنساء. تصف الأخصائية النفسية والاجتماعية "سها اصليح" آثاره بالعميقة، "حيث تتراوح بين الاكتئاب والغضب وانخفاض تقدير الذات".

وتضيف: "الاستبعاد يؤدي إلى تدهور الصحة النفسية والجسدية، ويزيد من حدة الفقر والبطالة التي وصلت بين النساء في غزة إلى 90%، بينما تجاوزت معدلات الفقر 80%. هذا الشعور بالظلم قد يدفع بالأفراد نحو اليأس أو الهجرة القسرية، مما يضعف البناء المجتمعي".

وتشدد اصليح على دور الإعلام في تسليط الضوء على هذه الفئة لانتزاع حقوقها وضمان إدماجها في برامج التأهيل.

هذا الإقصاء يتناقض مع اتفاقية (سيداو) التي ترفض التمييز القائم على الحالة الاجتماعية، ويخالف القانون الأساسي الفلسطيني الذي كفل المساواة أمام القانون.

قانونًا، يرى المحامي إبراهيم بكر أن استبعاد النساء العازبات فاقدات المعيل يعد "انتهاكًا مركبًا" للقانون الدولي الإنساني وقواعد حقوق الإنسان. فاتفاقيات جنيف، ولا سيما المادة (3) المشتركة، تحظر التمييز لأي سبب كان، بما في ذلك الوضع الاجتماعي. كما أن البروتوكول الإضافي الأول يؤكد حق وصول المساعدات لجميع المدنيين دون شروط تعسفية. ومن منظور نسوي حقوقي، يشدد بكر على أن هذا الإقصاء يتناقض مع اتفاقية (سيداو) التي ترفض التمييز القائم على الحالة الاجتماعية، ويخالف القانون الأساسي الفلسطيني الذي كفل المساواة أمام القانون.

ويؤكد بكر أن هذا الخلل يعكس سياسة تمييزية ممنهجة تعيد إنتاج الفقر والعنف الاقتصادي ضد النساء، داعيًا إلى ضرورة إخضاع آليات المساعدات للمساءلة والرقابة الحقوقية، لضمان وصول الدعم لمن هن أكثر تهميشًا تحت وطأة الحرب.