بين حربٍ وشتات.. "مهندسات" شَيّدنَ وطنًا من ضوء وذاكرة!
تاريخ النشر : 2026-01-04 14:48

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

لم تكن المسافات عائقًا حين اجتمعت أربع شاشات مضاءة في ثلاث دول مختلفة، كل منها يحمل ظل حرب واحدة. "سِمة" في مخيم النصيرات وسط غزة، تتردد أنفاسها مع كل اهتزاز تُخلِّفه انفجارات الصواريخ، تجلس أمام شاشة حاسوبها على ضوء بطارية خافت، تحاول تثبيت اتصال الإنترنت الهشّ. "داليا" و"أنوار" في مصر، تحملان حنينًا ثقيلًا لا يغادرهما. و"آية" في الإمارات، تُراقب الوطن من خلف نافذة بعيدة. هكذا اجتمع فريق مشروع "فلسطين 360"، رغم التشظي، ليصنعوا حلمًا معماريًا يُشبه بيوت البلاد.. ويشبههن.

"ولد المشروع من خوف حقيقي: أن تختفي الحكايات، أن يبهت التراث، أن يُمحى ما لم يُكتب بعد".

من بين خسارات لا تُحصى، قررت الطالبات الأربع في كلية الهندسة بالجامعة الإسلامية، قسم العمارة، أن يُحوّلن مشروع التخرج إلى مساحة تُنقذ ما تبقى من الذاكرة. مشروع وُلد من خوف حقيقي: أن تختفي الحكايات، أن يبهت التراث، أن يُمحى ما لم يُكتب بعد.

هكذا ظهرت الفكرة: مركز ثقافي يُعيد الاعتبار للهوية الفلسطينية التي تحاول الحرب ابتلاعها، مكان يروي الحكاية بما يكفي لتتعرّف إليه الأجيال التي تكبر تحت رماد الحرب.

بدأت الفكرة بسؤال: "كيف يمكن للعمارة أن تحمي ذاكرة شعب؟". لم تتعامل الطالبات مع المشروع كمجرد متطلب جامعي، بل كرسالة مقاومة ثقافية. أردن أن يكون المركز مساحة تلتقي فيها الأجيال مع حكايات الأرض، متحفًا حيًا للتراث، ومكانًا يوثّق سرديات الناس قبل أن يُغرقها الركام.

كل عنصر في التصميم جاء محمّلًا برمزية: الباحات التي تشبه ساحات البيوت القديمة، النوافذ المستوحاة من العمارة الكنعانية، والمساحات العامة التي تحتضن رواة القصص، الحرفيين، والأطفال الذين يحملون ذاكرة جديدة للبلاد.

تقول الخريجة أنوار عبد العال: "شعرنا بوجود نقص كبير جدًا في المساحات التي تجمع بين الذاكرة الفلسطينية والعمارة بشكل حيّ ومعاصر، خاصة وأن غزة فقدت الكثير من معالمها، والناس بحاجة لمكان يحفظ الحكايات قبل الحجر".

كان المشروع محاولة لترميم ما دمّرته الحرب، لكن ليس بالحجارة هذه المرة، بل بالمعنى. وتضيف الخريجة داليا عليان: "هو مركز ثقافي تعليمي تفاعلي يُعيد الاعتبار للتراث الفلسطيني المادي واللامادي، ويُحافظ على السردية ويربط الأجيال بجذورهم".

أما آية طوطح، التي عملت على المشروع من الإمارات بعد سفرها من غزة، فتعقب: "المشروع لم يأتِ من منهاج.. جاء من قلب بيت مهدّم، ومن خوف وحنين وذاكرة تكاد أن تُفلت من بين أيدينا".

بدوره، يوضح الأستاذ الدكتور أحمد محيسن، المحاضِر في كلية الهندسة، والمشرف على المشروع، أن "فلسطين 360" ليس مجرد مبنى، بل رؤية لإعادة العلاقة بين الناس وتراثهم، رؤية يمكن أن تتحقق إن توفرت الإرادة.

استلهمت الطالبات تفاصيل المشروع من العمارة الفلسطينية التقليدية "الأقواس، والأحواش، والحجر، والنوافذ المغمورة بالضوء"، برؤية معاصرة تسمح للزائر بأن يعيش الرواية لا أن يشاهدها فقط.

تقول سِمة أبو عوقة، التي بقيت داخل غزة تواجه انقطاع الإنترنت وأوامر الإخلاء المتكررة: "المشروع يحتوي على متحف، ومكتبة، وساحة عرض، وساحات تفاعلية.. حاولنا أن نجعل المكان نفسه ينطق، وليس فقط المعروضات".

لم يكن الأمر سهلًا. كانت الاجتماعات تنقطع فجأة مع انهيار شبكات الإنترنت في غزة. كانت الطالبات يوزعن الأدوار بحذر، ويتعلمن كيف يكون الصوت البعيد سندًا حين يتعذر الحضور.

وجود سِمة في قلب المحرقة جعل التجربة أكثر صدقًا وعمقًا. فبين القصف والدمار، كانت ترى المباني القديمة تنزلق خارج الذاكرة، وتشعر أنها تسابق الزمن لحماية ما تبقّى.

ويرى الدكتور أحمد أن المشروع استطاع أن يُحقّق ثلاثة أمور نادرة: التأصيل، والإبداع، والانسجام بين الفريق رغم الحرب، مضيفًا: "التحدي الأكبر لم يكن أكاديميًا بل إنسانيًا. كيف يمكن لطلاب يعيشون حربًا أن يقدّموا مشروعًا بهذا المستوى؟ ومع ذلك قدموه، بل تفوّقوا".

لم يكن الأمر سهلًا. كانت الاجتماعات تنقطع فجأة مع انهيار شبكات الإنترنت في غزة. كانت الطالبات يرسلن مخططاتهن عبر رسائل صوتية حين يعجزن عن مشاركة الملفات، يتشاركن لحظات الخوف والقلق، يوزعن الأدوار بحذر، يُنسّقن بين مواعيد ثلاث دول، ويتعلمن كيف يكون الصوت البعيد سندًا حين يتعذر الحضور.

تحكي أنوار: "أردت أن أقدّم عملًا يحكي فلسطين التي أفتقدها، لا فلسطين التي أراها عبر الأخبار". ومن غزة، تحمل سِمة جزءًا مختلفًا من الحكاية: القلق، الأصوات القريبة، نفاد بطارية الحاسوب، أو انقطاع الاتصال خلال الاجتماعات، والعدّاد اليومي للخسارات. تقول: "الحرب منحت المشروع صدقًا مميزًا".

لم يكن "فلسطين 360" مشروع تخرج فحسب، بل بيانًا سياسيًا ناعمًا يقول: إن التراث لا يموت، والهوية أقوى من الحرب، والذاكرة يمكن إعادة صياغتها حتى لو فقدت جدرانها.

لم يكن "فلسطين 360" مشروع تخرج فحسب، بل بيانًا سياسيًا ناعمًا يقول: إن التراث لا يموت، والهوية أقوى من الحرب، والذاكرة يمكن إعادة صياغتها حتى لو فقدت جدرانها.

تقول داليا: "حاولنا التغلب على كل المعيقات، وقسّمنا المهام بطريقة تناسب ظروف كل واحدة منا"، في حين تخبرنا آية، كيف منحهن المشروع "معنى جديدًا للمقاومة.. كنا سندًا لبعضنا".

وتكمل سِمة: "مررت بأيام لم أتمكن فيها من شحن حاسوبي إلا لدقائق معدودة، وأيام أخرى عصيبة تُنشر فيها أوامر الإخلاء، وكنت أرفض ترك البيت حتى أكمل المشروع".

وتستدرك أنوار ضمن مقابلتنا التي جمعت الطالبات الأربع عبر الإنترنت: "المشروع وُلد من فكرة أن العمارة ليست جدرانًا؛ إنها ذاكرة، والذاكرة في فلسطين تحتاج من يحميها".

الإنجاز الحقيقي لم يكن فقط في اكتمال المشروع، بل في قدرته على الصمود، وفي أن يكون شاهدًا على ما يعنيه أن تنجز طالبات هندسة مشروعًا معماريًا في زمن الحرب!

 بينما تقول الباحثة المختصة في التخطيط الحضري ومناقِشة المشروع، الدكتورة رنا الشكعة: "المشروع إعلان بأن جيل الحرب قادر على إنتاج حياة من بين الأنقاض، ويعيد للتراث دوره كمستودع للناس وذاكرتهم".

حين عرضت الطالبات المشروع للمناقشة، كان صوتهن واحدًا. تقول د.رنا: "لم يكن المشروع تقليديًا، كانت الطالبات يتحدثن وكأنهن يعرضن وطنًا كاملًا، لا تصميمًا هندسيًا.. حماية الذاكرة".

وتضيف: "في كل فكرة كان هناك وطن. وفي كل تفصيلة كانت هناك نجاة".

لم تسلم أي من الطالبات من لحظات التخبّط والانهيار. تعترف داليا -من مصر: "عشت ظروفًا نفسية صعبة وفكرت في ترك كل شيء، لكن صديقاتي شجعنني حتى وصلنا للنهاية".

وتزيد سِمة: "كنت أكرر بيني وبين نفسي: نحن نزرع الفسيلة.. ولو في آخر لحظة".

"فلسطين 360" ليس مبنى فقط، بل متحف حي للهوية، مساحة تلتقي فيها الحكايات، والأغاني، والعمارة التقليدية، والحقول، ورائحة البيوت القديمة، والأدوات التي رافقت الأجيال.

رادت الطالبات تصميم مشروع يحمل الوجدان قبل الحجر، ويعيد سرد الحكاية كاملة، محاولة لإنقاذ ما يستطيع المعماريون إنقاذه حين يعجز العالم عن وقف انهيار المباني وتآكل الذاكرة.