غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
بين ركام الإبادة التي اشتعلت نيرانها لعامين ولم تنطفئ، وضيق الأمل بانفراجةٍ حقيقيةٍ قريبة، لا تزال صناعة الفخار في قطاع غزة تحاول النهوض، رغم ما تعرضت له من تدمير ممنهج ونقصٍ حادٍ في الإمكانيات.
هذه الحرفة، التي شكّلت على مدار عقود جزءًا أصيلًا من الموروث الفلسطيني، باتت اليوم مهددة بالاندثار في ظل غياب الدعم، وصعوبة الوصول إلى المواد الخام، وانقطاع الكهرباء الذي أعاد المهنة قسرًا إلى زمنها الأول.
يقول أحمد عطا الله أحد فنّيي الحرفة لـ"نوى": "كان الطين ولا يزال أساس الحياة والإنتاج، فمنه صُنعت مئات الأواني والسلع التي كانت تُصدّر سابقًا إلى الأسواق العالمية".
ويشير إلى أن منطقة "الفواخير" في غزة كانت تضم عددًا كبيرًا من مصانع الفخار، غير أن هذا المشهد تغيّر جذريًا، ولم يبق اليوم سوى عدد محدود من المصانع التي تُعد على أصابع اليد الواحدة، في ظل تجاهل المؤسسات المعنية وترك أصحاب هذه الحرفة يواجهون مصيرهم وحدهم.
مع غياب أي بدائل في الوقت الراهن، عادت المهنة إلى الأساليب اليدوية والبدائية، في مشهد أعادها عشرات السنين إلى الوراء.
قبل إعلان "إسرائيل" الحرب على قطاع غزة، في السابع من أكتوبر/ تشرين أول 2023م، كانت صناعة الفخار تعتمد بشكل أساسي على الماكينات الحديثة التي تعمل بنظام الكهرباء ثلاثي الفاز، خاصة في مراحل عجن الطين وتسريع الإنتاج. "لكن القصف دمّر المصانع بالكامل، إلى جانب الانقطاع التام للتيار الكهربائي، ما أدى إلى فقدان هذه الماكينات بشكل نهائي".
ومع غياب أي بدائل في الوقت الراهن، عادت المهنة إلى الأساليب اليدوية، كما يؤكد، في مشهد أعادها عشرات السنين إلى الوراء.
يوضح عطا الله أن العمل الذي كان ينجزه عاملان فقط قبل الحرب، بات اليوم يحتاج إلى نحو عشرة عمال، يتوزعون على مهام شاقة ومتعددة، تبدأ من نخل الطين وعجنه، مرورًا بتشكيل الأواني على الدولاب، وصولًا إلى إشعال الفرن وتعبئته، وهي مراحل كانت الماكينات تختصرها في وقت وجهد أقل بكثير.

ويُستخدم في صناعة الفخار نوع خاص من الطين يُعرف باسم "الكلوة"، يتم جلبه من منطقة أبو صفية في بيت حانون، إلا أن سيطرة الاحتلال على هذه المنطقة، المصنفة ضمن "الخط الأصفر"، منعت الوصول إليها منذ نحو عامين.
ويعتمد أصحاب المصانع حاليًا على كميات محدودة كانت مخزنة قبل الحرب، لا تكفي سوى حتى شهر رمضان المقبل، ما ينذر بتوقف كامل لهذه الصناعة في حال نفادها.
ورغم هذه التحديات، يصر عطا الله على الاستمرار، مؤكدًا أن صناعة الفخار تمثل مصدر رزق العمال الوحيد، ولا يملكون حرفة بديلة.
"الطاقة الإنتاجية تراجعت بشكل حاد، فلم يعد بالإمكان الوصول حتى إلى ربع أو ثلث ما كانت عليه قبل الحرب، إذ لا يتجاوز الإنتاج اليومي حاليًا أكثر من 200 قطعة فقط".
ويضيف: "اضطررنا لتأمين مكان مؤقت للعمل، رغم عدم ملاءمته، في محاولة لحماية الإنتاج من الأمطار والعوامل الجوية. إلا أن المنخفض الجوي الأخير ألحق أضرارًا جسيمة بالأعمال المنجزة، بعدما تسربت المياه وأعادت الطين إلى حالته الأولى، متسببًا بخسائر كبيرة في الوقت والجهد وتكاليف العمالة".
ويشير إلى أن الطاقة الإنتاجية تراجعت بشكل حاد، فلم يعد بالإمكان الوصول حتى إلى ربع أو ثلث ما كانت عليه قبل الحرب، إذ لا يتجاوز الإنتاج اليومي حاليًا أكثر من 200 قطعة فقط. وعلى الرغم من ذلك، ازداد الطلب على منتجات الفخار، نتيجة النقص الكبير في الأواني وأدوات الطعام، خاصة مع نزوح آلاف العائلات وفقدانهم لمستلزمات الحياة الأساسية.
وتُعد مرحلة عجن الطين من أصعب مراحل العمل، إذ تستغرق نحو ست ساعات متواصلة من الجهد الشاق باستخدام الأقدام دون توقف، لأن أي انقطاع قد يؤدي إلى جفاف الطين وفساد العجينة بالكامل.

ويؤكد عطا الله أن الطين يجب أن يُعجن بشكل متجانس عبر خلط أنواعه المختلفة حتى يصبح صالحًا للتشكيل، وهي مهمة كانت الماكينات تنجزها سابقًا خلال ساعة واحدة فقط.
أما عملية حرق الفخار داخل الفرن، فتستغرق ثلاثة أيام متواصلة، تبدأ بإشعال نار خفيفة في اليوم الأول، ثم زيادة شدتها في اليوم الثاني، وصولًا إلى إشعال متواصل لمدة ست ساعات في اليوم الثالث، حتى تبلغ درجة الحرارة نحو 900 درجة مئوية.
وتستهلك هذه العملية كميات كبيرة من "النخارة"، التي ارتفع سعر الكيس الواحد منها إلى 80 شيكل بعد أن كانت متوفرة ورخيصة قبل الحرب، وهي مادة أساسية لإضفاء اللون الأسود وإظهار اللون الحقيقي للأواني.
ورغم الحصار والدمار وقسوة الظروف، يؤكد عطا الله أن صناعة الفخار ستبقى رمزًا للصمود والهوية الفلسطينية، وحرفة متوارثة عبر الأجيال، يسعى أصحابها للحفاظ عليها بكل ما يملكون، في مواجهة محاولات الطمس والاندثار.
