2025م.. طفولةٌ دُفنت حيّة: موتٌ ونزوحٌ وتجويع!
تاريخ النشر : 2025-12-24 10:58

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

"شو ذنبهم ولادي يستشهدوا وما أفرح عليهم؟"؛ سؤالٌ يتكرر على لسان أم محمد العصار، وهي تحاول عبثًا أن تفهم بأي منطق يقتل الاحتلال الإسرائيلي أطفالها الثلاثة: محمد، وسعدة، ومها، ويحرمهم من حقهم البديهي في الطفولة، كما لو أنهم وُلدوا خطأ في هذا المكان.

منذ أن أعلنت "إسرائيل" حربها على قطاع غزة، في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023م، بدا واضحًا أن الموت في غزة لا يفرّق بين طفلٍ وعاجز، في ظل غياب أي رادع قانوني، وصمتٍ دولي يراقب المجازر دون أن يحرّك ساكنًا.

تقول أم محمد لـ"نوى": "ارتكب الاحتلال مجزرة بحق عائلتي، راح ضحيتها 11 شهيدًا، من بينهم أطفالي الثلاثة".

حكم الاحتلال على أطفال غزة بالموت المبكر. محمد، بكر أمه ونور عينيها، لم يُكمل عامه الثالث عشر. سعدة، حبيبة أمها، لم تعرف من الحياة سوى عشرة أعوام، أما مدللتها مها، فلم تمنحها الحرب سوى ثماني سنوات قصيرة، ثم غادرت.

"استشهد ما يقارب 20 ألف طفل منذ السابع من أكتوبر 2023م، ولم يكتفِ الاحتلال بسلبهم الحياة، بل حرمهم حتى من وداعٍ أخير".

ووفق المتحدث باسم وزارة الصحة، منير البرش، فقد استشهد ما يقارب 20 ألف طفل منذ السابع من أكتوبر 2023م.

لم يكتفِ الاحتلال بسلبهم الحياة، بل حرمهم حتى من وداعٍ أخير. فلا يزال جثمانا سعدة ومها تحت الأنقاض، بلا قبرٍ يحمل اسميهما.

تتابع أم محمد: "لا أستوعب ذلك حتى اللحظة. طفلتان لا تعرفان معنى الحرب، تحبان الرسم والحياة، جسداهما الرقيقان تحت أربعة طوابق من الركام"، قبل أن تتمتم بمرارة: "لو كانتا طفلتين من خارج غزة، لأقام العالم حربًا لأجلهما".

تحاول الأم أن تفرّ بذاكرتها بعيدًا عن الفقد، فتستعيد صور أطفالها بابتسامة موجوعة: "كانوا من المتفوقين في المدرسة. فور انتهاء دوامهم يركضون لحفظ القرآن".

أحلامٌ غمسها الجنود بالدم قبل أن ترى النور. محمد كان يحلم بأن يصبح مبرمجًا، فيما وجدت سعدة ومها في الرسم متنفسًا صغيرًا للحياة.

على صعيد التعليم، لم يترك الاحتلال لأطفال غزة مساحةً لاستكمال حياةٍ مدرسيةٍ طبيعية. هدم معظمها، وقتل مئات المعلمين، وردم الكتب تحت أنقاض بيوتٍ أسقطها فوق رؤوس أهلها، واغتال أحلامًا صغيرة كتبها الطلبة في دفاترهم يومًا داخل حصة التعبير. يؤكد المتحدث باسم وزارة التربية والتعليم، صادق الخضور، أن أكثر من 19 ألف طالب استشهدوا خلال عامين من الحرب على غزة.

الموت لم يكن السلاح الوحيد الذي استخدمه الاحتلال لسلب الطفولة. فالصواريخ التي لم تقتل، قطّعت أطرافًا وقيّدت حياة كاملة.

"كل ما أشوف ابني مش قادر يتحرك بتمنى الموت"، تقول أم محمد المبيض، وهي تروي حكاية طفلها الوحيد الذي بُترت قدمه اليمنى، وأصيبت بقية أطرافه بجروح وكسور خطيرة.

تضيف لـ"نوى": "قُصفت قدمه وبُترت فورًا، واليسرى تحتاج عملية عاجلة، أما يداه ففيهما كسور عديدة".

تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى وجود ما بين 5 و6 آلاف مبتور أطراف بسبب الحرب، 25% منهم أطفال.

محمد واحد من نحو 44 ألف طفل أصيبوا بإعاقات دائمة وجروح بلا علاج في غزة، خلال عامي الإبادة، بحسب وزارة الصحة.

أسئلة الطفل تثقل قلب أمه: "متى سأمشي لوحدي؟ متى أركّب قدمًا صناعية؟". تحاول مواساته، فيما حتى مسكنات الألم غير متوفرة في المستشفيات.

وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى وجود ما بين 5 و6 آلاف مبتور أطراف بسبب الحرب، 25% منهم أطفال.

بدأ التعب النفسي يظهر على محمد الذي يبكي لساعات، متمنيًا هاتفًا للدراسة، أو الوقوف مجددًا للعب كرة القدم.
تقول والدته: "حلمه أن يلعب وأن يذهب إلى المدرسة وحده، لكنه حين يتذكر عجزه يدخل في اكتئاب أعجز عن إخراجه منه".

وبحسب الأمم المتحدة، فإن جميع أطفال غزة، البالغ عددهم قرابة مليون طفل، يواجهون "صدمة نفسية هائلة".

وأطبق الاحتلال حصاره على القطاع، مغلقًا المعابر، مانعًا دخول الغذاء والدواء، متخذًا التجويع سلاحًا إضافيًا.
لا تزال والدة الطفل أمير الكيلاني تطرق أبواب المستشفيات، بعدما أصيب طفلها بسوء تغذية حاد، وهو المصاب بشلل دماغي.

ووفق دراسة أممية، يعاني أكثر من 54,600 طفل من سوء تغذية حاد. تقول أم أمير: "ولد في أصعب أيام الحرب، كانت المستشفيات مكتظة والوصول إليها شاقًا".

وتضيف: "بحثتُ في كل الصيدليات عن حليب صناعي، لم أجد شيئًا، حتى بديلًا عنه. طفلي رفض الرضاعة الطبيعية".

انخفض وزن أمير إلى 3 كيلوغرامات، في عمرٍ يُفترض أن يبلغ فيه 11 كيلوغرامًا. "بقي في المستشفى بلا علاج ولا دواء، يبكي متألمًا، وكل ما كان متوفرًا استُهلك خلال عامين من الحرب".

وبحسب وزارة الصحة، توفي 89 طفلًا نتيجة سوء التغذية والتجويع منذ بدء الحرب.

ولم تكن الصواريخ وحدها القاتل. برد الشتاء القارس في مخيمات النزوح حصد حياة نحو 20 طفلًا. الطفل جمعة البطران واحد منهم.
تقول والدته: «ذهبت لأرضعه صباحًا، وجدت أطرافه متجمدة ووجهه أصفر". حدث ذلك مطلع يناير الماضي.

تضيف الأم: "هززته وبكيت، لكنه لم يستيقظ.. مات من البرد". حمله والده إلى مستشفى شهداء الأقصى، حيث أُعلنت وفاته فورًا.

من جهتها، تؤكد الأخصائية النفسية ولاء جودة أن جميع أطفال غزة يعانون اضطرابات نفسية معقدة، أبرزها اضطراب ما بعد الصدمة، الذي يظهر في الكوابيس واسترجاع المشاهد المؤلمة.

وتقول: "الطفل يعيش خوفًا دائمًا، لا يشعر بالأمان حتى في الهدوء، مع بكاء واضطرابات نوم".

وتوضح أن بعضها قصير الأمد، قابل للتعافي بالدعم النفسي والأسري، فيما يعاني آخرون اضطرابات سلوكية، وتراجعًا تعليميًا، وتأخرًا في النطق، وتبولًا لا إراديًا. ووفق الأمم المتحدة، فإن 93% من أطفال غزة يظهرون سلوكًا عدوانيًا.

في الحرب، فقد عشرات الآلاف من الأطفال آباءهم. أكثر من 37 ألف طفل يُتموا، بينهم 1568 فقدوا الوالدين معًا، بحسب جمعية دار اليتيم الفلسطيني.

في الحرب، فقد عشرات الآلاف من الأطفال آباءهم. أكثر من 37 ألف طفل يُتموا، بينهم 1568 فقدوا الوالدين معًا، بحسب جمعية دار اليتيم الفلسطيني.

توضح جودة أن هؤلاء الأطفال حُمّلوا مسؤوليات تفوق أعمارهم، واضطروا للعمل لتأمين احتياجات أسرهم، ما فاقم الضغط النفسي وفقدان الأمان العاطفي.

وتضيف: "يعانون إرهاقًا شديدًا وسوء تغذية، كما تعاني الطفلات من مشكلات صحية كفقر الدم وتأخر الدورة الشهرية".

وتحذر من اضطرابات طويلة الأمد قد تستمر سنوات، نتيجة تكرار الصدمات وغياب العلاج، ما يؤدي إلى اكتئاب مزمن وقلق عام في شخصية الطفل، مطالبة بتدخل نفسي واجتماعي عاجل.

بدوره، يؤكد صادق الخضور، المتحدث باسم وزارة التربية والتعليم الفلسطينية، أن الحرب لم تستهدف التعليم فقط، بل كل مناحي الحياة، فالقصف وانقطاع الإنترنت والاتصالات حرم الطلبة من متابعة دروسهم.
ورغم إنشاء خيم تعليمية، يبقى الجوع عائقًا أساسيًا، متسائلًا: «كيف لطفل جائع أن يركز؟".

(179) مدرسة طالها الدمار و(30) أخرى مُحيت من السجل التعليمي بطلبتها ومعلميها، رغم أنها منشآت محمية دوليًا.

وأشار إلى تدمير 179 مدرسة، ومحو 30 واحدة أخرى من السجل التعليمي بطلبتها ومعلميها، رغم أنها منشآت محمية دوليًا.

وختم بالقول "إن إعادة إعمار المدارس تحتاج سنوات، بينما التعليم لا ينتظر"، مؤكدًا السعي لتوفير رزم تعليمية، واعتماد التعليم الوجاهي مطلع شباط المقبل.