غزة- شبكة نوى/ فلسطينيات:
على الرغم من إعادة عدد من البنوك في قطاع غزة فتح بعض فروعها منذ إعلان وقف إطلاق النار، إلا أن الواقع المالي والمعيشي ما يزال غارقًا في أزمة سيولة خانقة تعمّق ضيق الحياة اليومية، وتمنع أي محاولة لاستعادة النشاط الاقتصادي بعد عامين من حرب الإبادة التي طالت كل تفاصيل الحياة.
فتح الأبواب بقي خطوة "شكلية"، كما يصفه المواطنون، في ظل غياب العنصر الأكثر أهمية: توفير النقد اللازم لعمل القطاع المصرفي والسوق معًا.
"عاد البنك للعمل، لكنني لم أتمكن من السحب أو الإيداع بسبب انعدام السيولة. وعندما أضطر للسحب عبر السوق، أُفاجأ بعمولات مرتفعة تصل أحيانًا إلى 50%".
توضح آمال شاهين (44 عامًا)، وهي عميلة لدى بنك القدس، أن فتح البنك لم يغيّر شيئًا فعليًا في قدرتها على الوصول إلى أموالها، وتقول لـ"نوى": "عاد البنك للعمل، لكنني لم أتمكن من السحب أو الإيداع بسبب انعدام السيولة. وعندما أضطر للسحب عبر السوق، أُفاجأ بعمولات مرتفعة تصل أحيانًا إلى 50%، ما يفقدني نصف المبلغ".
وتضيف: "هذا الواقع أثر على معيشتنا اليومية في ظل استغلال بعض الصرافين للأزمة. أتمنى من البنوك وسلطة النقد التدخل لحماية المواطنين، واستقبال الشكاوى، ومحاسبة من استغل هذه الظروف".
وتواجه مجد السرساوي، وهي زوجة شهيد وأم لأطفال، معاناة من نوع مختلف بعد تجميد حساب زوجها في بنك فلسطين عقب استشهاده، وهو الحساب الذي تودع فيه كفالات أطفالها الشهرية.
"جميع الكفالات تُحوّل إلى حساب زوجي، ولا أستطيع سحبها أو الاستفادة منها بسبب تجميده. وحتى بعد فتح البنك، لم يُقدَّم لي أي حل؛ لا تفعيل للحساب، ولا تحويل للرصيد".
تقول: "جميع الكفالات تُحوّل إلى حساب زوجي، ولا أستطيع سحبها أو الاستفادة منها بسبب تجميده. وحتى بعد فتح البنك، لم يُقدَّم لي أي حل؛ لا تفعيل للحساب، ولا تحويل للرصيد، ولا حتى فتح حساب بديل".
وتتابع: "هذه الأموال حق لأطفالي، ومن غير المعقول أن تبقى معلّقة بلا حل. أناشد سلطة النقد والبنوك إيجاد مخرج لهذه الحالات الإنسانية العاجلة".
أما الدكتور سعد عاشور، وهو عميل لدى البنك الإسلامي العربي، فيصف الواقع بقوله: "أتلقى 800 شيكل من الجامعة كل شهر ونصف، وهو مبلغ قليل مقارنة بالاحتياجات الأساسية. ومع ذلك، لا نستطيع استخدامه بسهولة، لأن كثيرًا من البائعين يرفضون الأوراق البالية أو التي تفتقر إلى الفكة".

ويضيف: "اضطررت إلى تقليص المصاريف، والموازنة بين الدفع الإلكتروني وما هو متوفر من نقد. وفي أحيان كثيرة أمتنع عن شراء سلع ضرورية بسبب رفض بعض التجار لفئات العملة المتضررة أو لعدم توفر الفكة".
من جانبه، يقول المحلل الاقتصادي أحمد أبو قمر لـ"نوى": "إن فتح بعض فروع البنوك دون إدخال السيولة اللازمة يجعل العملية "شكلية"، موضحًا ذلك بقوله: "طالما أنه لا توجد عمليات سحب أو إيداع، فإن فتح البنك أو إغلاقه أمران متساويان. الأزمة باقية لأن حكومة الاحتلال تمنع إدخال النقد، والأسواق غير ملزمة بتوحيد سعر الكاش مع الدفع الإلكتروني".
ويشير إلى أن الخسائر الاقتصادية الناجمة عن الأزمة كبيرة للغاية وغير قابلة للتقدير الدقيق، سواء الخسائر المباشرة أو غير المباشرة: "هناك خسائر ناتجة عن عمليات التكييش التي خسر المواطنون خلالها مبالغ كبيرة، وخسائر أخرى طالت المصانع والمزارع والتجار بسبب عدم قدرتهم على الوصول إلى أموالهم أو الحصول على تسهيلات".
"حتى مع الدفع الإلكتروني، لا يمكن الاستغناء عن النقد، خاصة الفكة، بسبب طبيعة السوق وغياب الكهرباء والإنترنت في كثير من الأحيان".
ويؤكد أن غياب الفكة والعملة السليمة يعرقل النشاط التجاري اليومي، مردفًا: "حتى مع الدفع الإلكتروني، لا يمكن الاستغناء عن النقد، خاصة الفكة، بسبب طبيعة السوق وغياب الكهرباء والإنترنت في كثير من الأحيان".
ويضيف: "المواطن قد يذهب إلى السوق ومعه المال لكنه لا يستطيع إتمام الشراء بسبب رفض البائع للعملة المهترئة أو نقص الفكة، وهذا يشكّل عائقًا كبيرًا أمام الحركة التجارية".
أما المطلوب من سلطة النقد، فيوضح أبو قمر أن الأولوية تتمثل في إلزام "إسرائيل" بالعمل وفق بروتوكول باريس الاقتصادي وإدخال السيولة إلى غزة بشكل منتظم، مشيرًا إلى أن دولة الاحتلال سمحت خلال سنوات الحصار بإدخال كميات شحيحة، لكنها اليوم تمتنع عن إدخال أي كمية رغم الحاجة الماسة، مناديًا بضرورة عودة سلطة النقد الفلسطينية لممارسة مهامها كاملة داخل السوق المصرفية، "فغيابها يترك السوق فريسة لتجار الاستغلال الذين يسيطرون على السوق السوداء ويتحكمون بتداول النقد".
سلطة النقد: لا تتوفر أي سيولة نقدية داخل فروع المصارف في غزة، ما يجعل عمل البنوك محصورًا بالخدمات غير النقدية (..) ننتظر توفر بيئة أمنية مناسبة تسمح بإدخال الأموال".
من جهتها، توضح سلطة النقد الفلسطينية لـ"نوى" أن أزمة النقد ما تزال قائمة رغم إعادة افتتاح بعض الفروع، وذلك بسبب عمل المصارف ضمن إمكانات تشغيلية محدودة للغاية، وارتباط خدمات السحب والإيداع والصرافات بظروف ميدانية آمنة تسمح بإدخال الأموال، وهو ما لا يتوفر حتى الآن.
ولفتت إلى أنها لم تنجح حتى اللحظة في إدخال أي كميات جديدة من النقد -سواء الشيكل أو العملات الأخرى- رغم الجهود المتواصلة بالتعاون مع مؤسسات دولية وجهات ذات علاقة، لضمان استمرار الخدمات الأساسية.
وتؤكد سلطة النقد أنه لا تتوفر أي سيولة نقدية داخل فروع المصارف في غزة، ما يجعل عمل البنوك محصورًا بالخدمات غير النقدية، مبينةً أنها بانتظار توفر بيئة أمنية مناسبة تسمح بإدخال الأموال، بالتنسيق مع الجهات الرسمية والدولية، "فهذا الملف يرتبط مباشرة بالقيود الإسرائيلية المفروضة على القطاع".
"الحديث عن بوادر انفراجة قريبة مرهون بسماح إدخال النقد إلى غزة. العمل حاليًا يتركز على وسائل الدفع الإلكتروني في البيع والشراء، إلى حين توفير السيولة النقدية اللازمة".
أما بشأن شكاوى تجميد بعض الحسابات -حسابات شهداء أو حالات خاصة- فتوضح أن الحسابات المجمّدة تعود لأشخاص مارسوا "التكييش"، واستغلوا حاجة المواطنين خلال الحرب، لكنها تؤكد اهتمامها بمعالجة أي حسابات جُمّدت لأسباب أخرى وفق القانون والضوابط المعمول بها.
وعن تحديد سقف للعمولات التي يتقاضاها البنوك أو الصرافون، فتقول: "لا يمكن إصدار تعليمات طالما لا تتوفر النقود الورقية في التداول".
وتشير إلى أن الحديث عن بوادر انفراجة قريبة يبقى مرهونًا بسماح إدخال النقد إلى غزة، مؤكدة أن العمل حاليًا يتركز على تشجيع المواطنين على استخدام وسائل الدفع الإلكتروني في البيع والشراء، إلى حين توفير السيولة النقدية اللازمة.
وفي ظل غياب السيولة واستمرار القيود الإسرائيلية على إدخال النقد، تبقى عودة البنوك خطوة ناقصة لا تغيّر كثيرًا في واقع المواطنين. وبين ضيق الحياة وتعثر الحركة الاقتصادية، ينتظر سكان غزة انفراجة حقيقية تبدأ فقط مع دخول الأموال واستعادة النظام المصرفي لدوره الكامل في السوق.
