غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
لم يكن رامي العروقي يتخيّل أن تصحو في قلبه نغمة الأبوة بلحظة، بعد أكثر من عشرين عامًا من الانتظار. حين وصله اتصالٌ من صديقه الذي يعمل في مستشفى ميداني يخبره أن هناك طفلة نُقلت بعد نجاتها من قصف إسرائيلي استهدف المنطقة الوسطى، بلا أهل أو عنوان.
يقول: "تغيّر شيء ما في داخلي. لم أفكر كثيرًا، ولم يكن لدى زوجتي أي مشكلة في تبني طفل أو كفالته وتربيته. وجدتُ نفسي هناك، مدفوعًا بنبض لم أختبره من قبل".
المستشفى رفض تسليم الطفلة، ونقلها إلى حضانة وزارة التنمية. ومنذ تلك اللحظة، لم يغِب رامي عن باب الوزارة يومًا. ثلاثة أشهر من المراجعة المستمرة، من الانتظار المشوب بالخوف، ومن محاولات إثبات استحقاقه أن يكون أبًا، ليس فقط بالقلب بل بالقانون أيضًا.
يخبرنا: "الوزارة رفضت تسليم الطفلة مباشرة، من باب الحرص على أن تبحث عائلتها عنها إن بقي منهم أحد على قيد الحياة، ولضمان سلامتها النفسية والبدنية كذلك".
لم يغادر رامي حياة الطفلة. كان يزورها يوميًا، يحمل لها الألعاب ويقضي الساعات بجانب سريرها في قسم الحضانة، حتى أصبحت تميز صوته، ووجه زوجته، وتبكي إن ابتعدا.
في السابع من كانون الثاني/يناير 2025م، ضحكت لهما الأقدار، وأعطتهما حقهما في أن يصبحا أمًا وأبًا.. صارت "جنّة" ابنتهما بالتبني.
وفق رامي، فقد وضعت وزارة التنمية شروطًا صعبةً للراغبين في تبني أو كفالة أطفال من أيتام الحرب، وعلى رأسها: العقم، وألا يتجاوز عمر المتقدم بالطلب الخمسين، أن يكون لديه دخل ثابت، ومسكن ملائم، وكلها انطبقت عليه.
يعترف رامي بأنه خاف من المسؤولية في البداية، لكنه اليوم يشعر بأن الحياة عادت إليه من جديد، رغم كل هذا الموت المنتشر. يضيف: "عرفت طعم السعادة الحقيقي، أصبحت أخاف على نفسي لأول مرة، لأنني مسؤول عن ملاك صغير وهبه الله لي من تحت الأنقاض".
في مكانٍ آخر من القطاع، لم تكن أمل أبو ختلة قد جرّبت الأمومة ولا حتى الزواج، لكنها كانت قاب قوسين أو أدنى من ولادة قلبها حين احتضنت رضيعة بلا اسم أو عمر. فقط نُقلت إلى مستشفى الهلال الإماراتي من مستشفى الشفاء بعد حصار الاحتلال له في 19 تشرين الثاني/نوفمبر 2023م.

تعمل أمل "حكيمة" في قسم الحضانة، وحين وصلت الطفلة، لم يعرف أحد عنها شيئًا سوى ورقة علقت على ثيابها كُتب عليها: "ناجية من مجزرة حي الصبرة".
حليب تقيّأته حين وصلت، كان دليلًا على أن أمها أرضعتها قبل لحظات من المجزرة، التي التهمت كل أفراد العائلة. يقول الأطباء "إن المسعفين وجدوها على شجرة".
مكثت الطفلة شهرين في قسم الحضانة، لم يطالب بها أحد، وحين انتشرت عدوى في القسم، قررت وزارة الصحة إخراجها ووضعها في حضانة أمل، كونها أكثر العاملات تعلقًا بها.
"شعور الأمومة معها مختلف، لن أحب طفلًا كما أحبها، ولا أعتقد أنني سأرتبط بروح كما ارتبطت بها".
في 21 كانون الثاني/يناير 2024م، أصبحت "ملاك" رسميًا تحت كفالة أمل، وقيّدت وزارة التنمية اسمها وتاريخ ميلادها الافتراضي، وزارت منزل أمل لتقييم الوضع قبل أن تمنحها قرار الحضانة.
وحين سئلت: "لماذا قررتِ أن تكفليها رغم أنك لم تتزوجي بعد؟"، أجابت بنبرة دافئة: "أردتُ صدقة جارية عن روحي والديّ، ومنذ رأيتها شعرت بأنني خُلقت لأكون في حياتها".
بعدما ارتبطت أمل لاحقًا، سئلت مجددًا: "ماذا ستفعلين حين تصبحين أمًا؟"، فأجابت بثقة: "شعور الأمومة معها مختلف، لن أحب طفلًا كما أحبها، ولا أعتقد أنني سأرتبط بروح كما ارتبطت بها".
أما آلاء الحسنات، فحكايتها مكتوبة بالدم والقلب معًا. في مجزرة ارتُكبت بتاريخ 19 تشرين الثاني/نوفمبر 2023م، فقدت آلاء 24 فردًا من عائلتها، بينهم أختها وزوجها وطفلهما. وبينما كانت فرق الإنقاذ ترفع الأنقاض، سمع أحد المسعفين صوت أنين، ووجدوا الصغيرة "سارة" حيّة تحت الركام.
حين وصلت الطفلة إلى بيت الجدة، كانت تبكي دون توقف. يقولون "إنها لم تهدأ حتى احتضنتها آلاء". ومنذ تلك اللحظة، لم تفارقها.
تناديها "ماما"، وتلتحف وجهها في نومها، وتنفجر بالبكاء إن غابت عنها لدقائق. تقول آلاء: "لم أتخيل أن أكون أمًا وأبًا في آن واحد، لكن سارة اختارتني، وأنا استجبت للقدر".
تستذكر لحظات الجوع الحادة في شمالي القطاع، حين كانت المجاعة تفتك بالبشر، وكيف كانت تركض في الأسواق بحثًا عن كسرة خبز أو علبة حليب لتسد رمق الصغيرة: "كانت أولويتي أن لا تجوع، ولو جعتُ أنا".
من قلب الخراب، انبعثت حكايات حب لم تكن في الحسبان. لم تكن كفالة الأطفال الناجين هنا قرارًا قانونيًا فقط، بل استجابة عميقة لنداء الحياة، لاحتضان الضعف، ولإعادة تعريف الأمومة خارج النَسب والوراثة. "جنة"، و"ملاك"، و"سارة".. لم تُولد أي منهن في رحم أمهاتهن، بل خرجن من رحم المجازر ليجدن أنفسهن في حضن عائلةٍ جديدة.. حياة جديدة تستحق أن تُعاش.
