عامان من "الصبر" ثم هزمهُ "الفقد" بلحظة: "كلهم استشهدو"!
تاريخ النشر : 2025-07-20 11:15

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

حين يتحدث أهالي الشهداء، لا يبحثون عن كلمات المواساة، لا يبحثون عن العدسات التي تلتقط أوجاعهم للعالم، تركض هي خلفهم، يقفون للتحدث بصلابة وانهيار، يصرخون ويذرفون الدموع، لأنهم فقط يريدون لفظ آلامهم، يحتاجون للبوح عما في قلوبهم، لعلّ ذلك يخفف عنهم، وهذا هو محمد الدلو.

يوم الثاني عشر من يوليو/تموز لعام 2025م، قتلت طائرات الاحتلال الإسرائيلي جهاد الدلو والد الصحفي محمد، وشقيقه، وابن عمه، وأطفال من عائلته، في واحدة من قائمة طويلة من المجازر التي لا تنتهي، مع قرابة مرور عامين على استمرار حرب الإبادة التي تشنها "إسرائيل" ضد أهالي القطاع.

تلقى محمد مكالمة كان أولها "إلحق تعال على المستشفى ودع أخوك".. يقول: "لساني تلعثم: مين أخوي؟ كيف استشهد؟ كيف أبوي؟ كيف أمي؟ مين عايش؟".

وصدمة الفقد تختلف من إنسان إلى آخر، صرخ محمد بنبرة كادت أن تفجّر ملامح وجهه. كان ينادي على أبيه وعلى أخيه. يبحث عن أمه الجريحة وعن أخيه الأصغر، يقول "في حينها لفظتُ قهر عامين من الموت في ثانيتين".

ويضيف: "نحن نازحون من حي الشجاعية، استشهد أخي وابنته وعمي تحت التعذيب في أول الحرب، فقدتُ ابن عمي الآخر بعد تنكيل الجنود على مرأى الناس في أحد مراكز الإيواء فقضى شهيدًا. لم نستطع وداع أخي، قتل ونحن بالجنوب. دُفن بأيدٍ غريبة لا نعرفها".

عن تلقيه خبر الفاجعة، يخبرنا: "انطلقتُ إلى السوق في رحلةٍ شاقة من البحث عن حفاضات لطفلي المولود، بدلًا من أكياس النايلون التي تستخدمها له أمها وتتسبب بمشكلات صحية"، (سعر الحفاضة الواحدة بلغ 15 شيكلًا، فيما وصل سعر كيس الحفاضات إلى 350 شيكل).

لم تعد مشاهد الأطفال والكبار والدم النازف تؤثر بأحد. صار الموت أمرًا عابرًا -يكرر الرجل- "وبات الطبيعي أن نُقتل نحن الغزيون، بينما العالم صامتٌ، يتفرّج".

يتابع: "شيئًا ما كان يراودني وأنا في السوق. أخبرني قلبي أنني سأتلقى خبرًا سيئًا، وكنتُ قد وضعتُ هاتفي في نقطة شحن. لم أُكمل جولتي بحثًا عن أقل سعر، بل رحتُ لآخذه فإذا به يرن".

تلقى محمد مكالمة كان أولها "إلحق تعال على المستشفى ودع أخوك". يصف شعوره في تلك اللحظة بالقول: "لساني تلعثم: مين أخوي؟ كيف استشهد؟ كيف أبوي؟ كيف أمي؟ مين عايش؟".

سارع إلى المستشفى، كانت لحظات قاسية أدمت قلوب كل من شاهد محمد في لحظات الوداع وانهياره التام. يزيد: "لم يتبق لي سوى أخي عمر الذي بُترت ساقه اليمنى، وشقيقتي وأمي المصابة في بطنها. أبي وبقية إخوتي وأبناؤهم.. كلهم شهداء".

لا يعرف محمد إلى أين ستخرج أمه وشقيقته وشقيقه عمر من المستشفى، "فأي مأوى يمكنه استيعاب جروحهم؟ كيف سأكمل حياتي دون عائلتي، كيف يتعايش الإنسان مع ذكريات وعائلة اختفت فجأة تحت وطأة التدمير الجارية؟" يتساءل.

في قطاع غزة، صار الموت هو الأمر الطبيعي -كما يقول الرجل- ولم تعد مشاهد الأطفال والكبار والدم النازف تؤثر بأحد. صار الموت أمرًا عابرًا -يكرر- "وبات الطبيعي أن نُقتل نحن الغزيون، بينما العالم صامتٌ، يتفرّج".