غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
في قدرٍ حديدي غمرت نصفه بالماء، وضعت أم محمد مذكور، علبةً بلاستيكية فيها ما بقي من العدس.
تقول: "أريد أن أحتفظ بالطعام صالحًا للأكل حتى المساء. صغيري يجوع، وإذا تركت العدس بدون تبريد سيفسد بسبب الحر، ولن يجد ساعتها ما يسكت به جوعه".
وتضيف: "تلك الطريقة كانت تنجح عادةً في الحفاظ على الطعام حتى اليوم التالي، لكننا في شهر تموز، لذا أضفتُ حيلةً أخرى: أبحث عن مكان مرتفع يصل إليه الهواء كي يبقى الماء في القدر باردًا، فلا يتحول إلى مصدر تسخين".
"منذ بدء العدوان، اضطررنا للعيش في الخيام بعد هدم بيوتنا، فعُدنا لطرق حفظ الطعام كما كانت تفعل جدّاتنا".
على مقربة منها، تتلقّف أم علي محفوظ طرف الحديث، وقد بدا في عينيها ما يشبه الإصرار المتعب. قالت: "منذ بدء العدوان، اضطررنا للعيش في الخيام بعد هدم بيوتنا، فعُدنا لطرق حفظ الطعام كما كانت تفعل جدّاتنا".
وتابعت بلهجةٍ مخنوقة: "الخيمة تدخلها القوارض بسهولة، لذا استعنتُ بفكرة شاهدتها في المسلسلات الشامية القديمة: علّية من الخشب مشدودة بحبلين إلى سقف الخيمة، نضع عليها الطعام. هكذا نحميه من التلف، ومن أن تعبث به الجرذان".
لكن التحديات لا تقف عند هذا الحد، فالماء البارد –وهو من أبسط حقوق الإنسان– بات ترفًا صعب المنال. تحاول محفوظ توفيره لأطفالها، فابتاعت لهم زيرًا صغيرًا (إناءً فخاريًا تقليديًا)؛ ليحتفظ بالماء بدرجة حرارة معتدلة.
"إذا طبخت في الظهيرة، أعيد تسخين الطعام في العصر، ثم مرةً أخرى بعد المغرب، وهكذا يظل صالحًا للأكل حتى اليوم التالي، حتى لو كان لحمًا، رغم أننا في الحقيقة لم نذقه منذ شهور".
لم تكن تجربة دفن الزجاجات في التراب فعالة، فكان الزير هو الخيار الأمثل، رغم أن ثمنه بلغ عشرة أضعاف سعره المعتاد. تنهدت وقالت: "اضطررت لتحمل الكلفة، فقط كي يشرب أولادي ماءً بدرجة حرارة طبيعية. حرارة الماء قبله كانت تُشبه الماء الذي نسخنه على الغاز.. هكذا كان مذاقه".
وبينما كنا نبحث عن طرق أخرى تحفظ بها العائلات طعامها، قالت الحاجة نعمة بصل بثقة العارفات: "أنا أعتمد على التسخين المتكرر".
وتشرح: "إذا طبخت في الظهيرة، أعيد تسخين الطعام في العصر، ثم مرةً أخرى بعد المغرب، وهكذا يظل صالحًا للأكل حتى اليوم التالي، حتى لو كان لحمًا، رغم أننا في الحقيقة لم نذقه منذ شهور".
ابتسمت بمرارة، وتابعت: "شرّ البلية ما يُضحك، هذه الطريقة كلّفتني حرق ما تبقى من أثاث منزلي لأشعل النار، بعد أن أصبح الحطب أغلى من قدرة الناس على الشراء".
باتت بصل تقلّل من كميات الطعام المعدّة، وإذا جاع الأطفال ليلًا، كانت تنهض لتطهو لهم بعض العدس، حتى تهدأ معركة البطون الخاوية، ويتمكنوا من النوم.
"عندما يكون الصيد وفيرًا، ألجأ إلى التمليح كوسيلة للحفظ. أضع الأسماك في جالون بلاستيكي وأضيف إليها الملح؛ ليبقى السمك صالحًا لأيام متتالية".
أما أم محمود، وهي في الثلاثينات من عمرها، فقد لجأت إلى البحر لإنقاذ عائلتها! بعد نزوحها إلى جنوبي القطاع، أرسلت ابنها البالغ من العمر 14 عامًا إلى الشاطئ، ليحاول تعلّم الصيد.
ورغم الخطر الذي يترصده بين أمواج البحر ونيران الاحتلال، إلا أنها لم تجد خيارًا آخر. "كان يعود أحيانًا ببعض السمك ومبلغ زهيد من المال"، تروي.
وتكمل: "وفي بعض الأيام أتمكن من إعداد ما جلبه في وجبةٍ دسمة، تفوح رائحتها في كل أرجاء المخيم".
لكنها لا تحتفل طويلاً، فخير البحر لا يدوم، خصوصًا بعد إعلان الاحتلال إياه منطقةً مغلقة.
تتابع: "عندما يكون الصيد وفيرًا، ألجأ إلى التمليح كوسيلة للحفظ. أضع الأسماك في جالون بلاستيكي وأضيف إليها الملح؛ ليبقى السمك صالحًا لأيام متتالية. وبينما تنشغل بعملية التمليح، تحكي لأطفالها أن المصريين القدماء أول من عرف هذه الطريقة، وأنها كانت تُسمى بـ"التفسيخ"، بعد أن نسيت إحدى السيدات السمك المملّح في برميل فخاري لفترة طويلة". تقاطعها ابنتها ضاحكة: "جيّد أنها نسيته، وإلا لما عرفنا اليوم كيف نحتفظ بالسمك يا أمي".
لكن الصغير –الصياد الذي خرج من ثوب طفولته مبكرًا– التزم الصمت. ابتلع الكلمات والخوف والغصة، وهو يدرك أن مهمته كل يوم لم تعد الذهاب إلى المدرسة أو اللعب، بل الصيد بين الخطر والجوع، ليأكل أهله.
