بؤرة استيطانٍ جديدة.. وخوفٌ يلفُّ ليل عائلةٍ في "بروقين"
تاريخ النشر : 2025-07-17 13:55

الضفة الغربية/ شبكة نوى- فلسطينيات:

"لا أعلم إن كان هذا الليل سيمرُّ بسلام"، يهمس مصطفى عبد الرحمن بينما يحدّق عبر نافذة مغلقة، لا يرى منها سوى ظلال خيام وبركسات بيضاء، نصبها المستوطنون على التلال المحيطة ببيته في بلدة "بروقين" غربي مدينة سلفيت، وسط الضفة الغربية.

لم يعد النوم يزور هذا المنزل الريفي، حيث تعيش عائلة فلسطينية صغيرة تحت وطأة قلقٍ صامت، لا يُرى لكنه يُثقل الصدر.

"لم تكن هناك قرارات إخلاء، ولا إخطارات رسمية، فقط أمر واقع فُرض بلا إنذار، وعلى مدار يومين فقط، أحاطت الخيام بالبيت من كل الجهات".

مصطفى، وهو أبٌ في الأربعينيات من عمره، يعيش مع زوجته وأطفاله الأربعة في منزلٍ أصبح فجأة في قلب خطر لا يغيب. يقول لـ"نوى": "منذ أن ظهرت الخيام، انقلبت حياتنا. كنا نعيش بأمان، وفجأة أصبح كل شيء مخيفًا. لا نستطيع فتح الباب دون أن نرتجف".

لم تكن هناك قرارات إخلاء، ولا إخطارات رسمية، فقط أمر واقع فُرض بلا إنذار، وعلى مدار يومين فقط، أحاطت الخيام بالبيت من كل الجهات، حتى تحوّل إلى "منزل بين خيام"، كما وصفه.

في الليالي الأولى، لم تمر ساعات الخطر بسلام. كان اقتحام الخوف متكررًا: خطوات تقترب، أضواء ساطعة تلتصق بالشبابيك، طرقات مفاجئة على الأبواب. لم يتردد مصطفى طويلًا، فاتخذ قرارًا صعبًا: "أخرجت زوجتي وأطفالي من البيت، أرسلتهم إلى بيت عائلتي. لم أكن مستعدًا، ولم أتوقع أن تكون الهجمة بهذه السرعة والخطورة".

عادت الزوجة بعد تسعة أيام، لكنها لم تجد بيتها كما تركته. تقول: "أنا حرفيًا أرتدي ملابس الصلاة طوال اليوم. أشعر أنني في سجن. لا يزورنا أحد من العائلة أو الأصدقاء، والأطفال يسألونني باستمرار إن كنا سنظل نملك هذا البيت أصلًا".

"لم تأتِ أي جهة للسؤال، لا قانونيًا ولا حتى من باب التضامن (..) أنا لست وحدي، لكن بيتي هو خط المواجهة الأول. إذا غادرته، تكون باقي البيوت عرضة للخطر".

انعكست مشاعر الخوف على سلوك الأطفال الذين لم يعودوا يرون الخارج كما اعتادوا. تتابع الأم: "ابني يستيقظ ليقول لي: هناك أحد حول البيت، هناك ضوء، هناك صوت.. هذا الشعور لا يجب أن يعيشه طفل".

يحاول مصطفى، بقدراته المحدودة، أن يؤمن حمايةً لعائلته، لكنه يدرك هشاشة إمكانياته. "أغلق الأبواب بإحكام، أتفقد الزوايا، لكن هذا لا يكفي. لا أريد شعارات، أريد حماية فعلية".

ويوجه نداءه للمؤسسات الفلسطينية: "لم تأتِ أي جهة للسؤال، لا قانونيًا ولا حتى من باب التضامن (..) أنا لست وحدي، لكن بيتي هو خط المواجهة الأول. إذا غادرته، تكون باقي البيوت عرضة للخطر".

في صوته كان هناك ما يشبه الصرخة المكتومة. يكمل: "أريد أن أعيش بكرامة. لا أطلب سوى حقي، وجودي في بيتي ليس تهديدًا، بل هو الحق بعينه.. لكنني أشعر وكأنني أواجه هذا المصير وحدي".

بدوره، يوضح مراد شتيوي، مدير مكتب هيئة مقاومة الجدار والاستيطان شمالي الضفة الغربية، أن ما يجري في محيط منزل مصطفى هو انتهاك صريح للقانون الدولي، "فنصب الخيام والبركسات على أراضٍ خاصة يُعد شكلًا من أشكال الاستيطان، وجريمة حرب".

ويتابع: "الهيئة تعمل على إعداد ملف قانوني لإثبات ملكية الأرض، رغم إدراكهم لعدم عدالة القضاء الإسرائيلي"، مشيرًا إلى وجود تواصل مع مؤسسات حقوقية دولية ومحلية.

ولا يخفي شتيوي قلقه، "فالاحتلال يفرض وقائع جديدة في ساعات، ولا تردعه أي قوانين".

"سلفيت تتعرض لمخطط استيطاني واسع، يشمل إقامة طرق لربط البؤر الاستيطانية، وعزل القرى عن بعضها البعض، من خلال أكثر من 50 بوابة وساتر ترابي".

ويضيف: "سلفيت تتعرض لمخطط استيطاني واسع، يشمل إقامة طرق لربط البؤر الاستيطانية، وعزل القرى عن بعضها البعض، من خلال أكثر من 50 بوابة وساتر ترابي. وعلى الرغم من تشكيل لجان وزارية لتقديم الدعم، فإن وتيرة الهجمات تفوق قدرة المؤسسات على المواكبة أو الردع".

المشهد الخارجي لا يشي بالخطر الماكث في ظاهره. فالخيام التي تحيط بالمنزل تؤوي خرافًا.

تخبرنا الزوجة بسخرية حزينة: "الخيام حولنا فيها خراف، لكن هذه الخراف ليست وحدها، خلفها مستوطنون مسلحون يراقبوننا كأنهم ينتظرون لحظة معينة".

ويؤمّن على كلامها مصطفى، ثم يكمل: "كل شيء ممكن. يمكنهم اقتحام البيت، أو حرقه، أو ربما طردنا بالقوة. الاحتلال لا يحتاج إلى مبررات، خاصة حين يكون الغطاء الرسمي حاضرًا".

"لن أترك بيتي. الاحتلال يريد تفريغ الأرض، وإذا خرجتُ، فإنني أشجع غيري على الخروج. بقائي يعني الأمل".

ورغم الخوف، لا يفكر مصطفى بالمغادرة. يقول بحزم: "لن أترك بيتي. الاحتلال يريد تفريغ الأرض، وإذا خرجتُ، فإنني أشجع غيري على الخروج. بقائي يعني الأمل".

ويصمت قليلًا قبل أن يضيف بصوت مختنق: "سألني ابني في إحدى الليالي: بابا، هل لنا بيت هنا؟ لم أستطع الإجابة. شرحت له، لكن الأطفال يظلون أطفالًا".

في "بروقين"، كما في قرى كثيرة بالضفة الغربية، لا يأتي الاستعمار بالدبابات وحدها، بل بالخيام والخراف والخوف، لكن البيوت، حتى إن تحولت إلى جزُرٍ محاصرة بالخيام، تبقى الشاهد الأصدق على صمودٍ لا يُكتب فقط، بل يُعاش في كل دقيقة من حياة من قرروا البقاء.