غزة.. "يُتمٌ" على أنقاض "الغياب"!
تاريخ النشر : 2025-07-16 14:32

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

فَقْدٌ، ويُتم، ونزوح، وتشرد، ومسؤوليات أثقل من الأجساد الصغيرة، نُضجٌ قسري قبل الأوان، وطوابير طويلة على التكيات، و"جرادل" مياه أثقل من طفولةٍ شاخت مبكرًا، حزنٌ مغلف بالمسؤولية، ووجع يرافق كل تفصيلة في حياةٍ خلت من الأب، أو الأم، أو كليهما معًا.

المأساة الأكبر في تاريخ الطفولة الحديث، يُتمٌ جماعي خلّفته الإبادة المستمرة في غزة منذ السابع من تشرين أول/ أكتوبر 2023م، يُصنَّف كأقسى أزمة فقدٍ عرفها هذا العصر. نحو 40,000 يتيم جديد، بينهم 2,000 طفل فقدوا كلا الوالدين، و500 طفل يُعدّون الناجين الوحيدين من عائلات أُبيدت بالكامل. تُرك هؤلاء وحدهم، يفتقدون الحماية والحنان، ويترعرعون على أنقاض منازل محطمة، وذكريات لا يملكون ترف استرجاعها.

في هذا التقرير، تتجلى الوجوه المجهولة لهذا الفقد، وتتسرب القصص من بين الركام، تحمل صوتًا للأطفال الذين لا يريدون أن يكونوا أرقامًا، بل وجوهًا حيّة لجرح مفتوح.

تبدأ الحكاية مع سوار العجلة، فتاة لم يتجاوز عمرها الرابعة عشرة، تحمل على كتفيها ما يعجز الكبار عن احتماله. منذ أن سقط والدها في قصف دمّر منزلهم، تغيّرت ملامح عالمها.

بصوتٍ مبحوح، تقول: "لم تعد حياتنا كما كانت.. كان أكبر همي الدراسة والتفوق، اليوم لا مدرسة، لا بيت، ولا حتى أبي".

"لم تعد حياتنا كما كانت.. كان أكبر همي الدراسة والتفوق، اليوم لا مدرسة، لا بيت، ولا حتى أبي".

سوار، أصغر أربع شقيقات، تملأ جرادل المياه، وتنتظر في طوابير الطعام، بينما تقول بلغة من سبقَها الزمن: "نحن لا نملك رفاهية الحزن. تحمّلنا مسؤوليات تفوق أعمارنا في هذه الحرب."

وفي أحد مراكز الإيواء، يصرخ طفل لم يبلغ عامه الرابع بعد: "بدي بابا يحملني!"، كأن الصرخة فجّرت صمت الموت، وكأن الوجع نطق. يهرع إليه جده، أبو العبد، يحتضنه ويهمس: "إحنا اتفقنا إني أنا بابا"، بينما تحاول والدته أن تزرع حياة جديدة وسط موتٍ لا يرحم، وتُهدّئ صغيرتها "حور"، ذات العامين، التي لم تعرف والدها إلا من صورة تناديها: "بابا".

"لا أعرف على من أُحزن أولًا! على أمي؟ على إخوتي؟ على جسدي؟ أم على الغربة عن أبي؟".

أما بيسان، ذات الستة عشر عامًا، فقصتها جرح مفتوح آخر. فقدت والدتها، وشقيقيها، وشقيقتيها، وبقيت مع والدها بعد أن استُهدف شارعهم بحزام ناري. أُصيبت بجروح بالغة وخضعت لعدة عمليات جراحية، لكنها لم تعد قادرة على المشي.

تقول: "لا أعرف على من أُحزن أولًا! على أمي؟ على إخوتي؟ على جسدي؟ أم على الغربة عن أبي؟". ترافقها عمتها للعلاج في قطر، تُربّت على قلبها كلما اشتد عليه الحنين.

عائشة، ذات الخمسة أعوام أيضًا، لم تنسَ صوت أبيها أو رائحته. تقول لوالدتها: "والله ما شبعت من بابا. بدي إياه يشوفني وأنا متفوّقة، ويعيش كل لحظة معي".

"والله ما شبعت من بابا. بدي إياه يشوفني وأنا متفوّقة، ويعيش كل لحظة معي".

أما شقيقتها سوار، صاحبة الأربعة أعوام، فتفاوض الموت ببراءة: "بدي أشوف بابا دقائق.. بس دقائق، بعدين خلص". وتعلق والدتهما: "الطبطبة أصبحت معادلة كيميائية معقدة، برموز لا تُفَك ولا تُحلّ".

لفهم أعمق لهذا الشرخ النفسي، قدّم الطبيب النفسي د.يوسف عوض الله، قراءة مؤلمة للواقع النفسي للأطفال الأيتام، وقال: "الطفل الغزي اليوم لا يحزن فقط، إنه يشيخ قبل أوانه. يحمل في داخله مقبرة من الذكريات المبتورة، ويستيقظ على موت جديد كل يوم، دون فرصة للشفاء".

يصف عوض الله الحالة بـ"سلسلة من الصدمات المتلاحقة"، التي تغيّر البنية النفسية والاجتماعية للطف، ويضيف: "منذ بدء الإبادة، نتعامل مع جيل ينمو داخل فوهة الألم: فقدان الأهل، وهدم البيت، وغياب الأمان.. لا مدرسة، ولا طفولة. حتى الدفء سُلب منهم".

بعض الأطفال توقفوا عن النطق، وآخرون لا يستطيعون اللعب، بينما يحمل البعض على أكتافهم إخوة رُضّع، "عيونهم تنظر إليك بنضج مفزع"، يقول، متابعًا: "كأنهم عاشوا حياة كاملة في شهور معدودة".

"هناك أطفال أصبحوا آباء في سن السابعة، يطبخون، ويجمعون التبرعات، ويفتقدون الحضن الذي يسمح لهم بالبكاء بحرية".

ويشير إلى حالة "الصدمة المركبة"، حيث لا يلتقط الطفل أنفاسه بين صدمة وأخرى، فيعيش شعورًا دائمًا بأن الحياة غير آمنة.

ويتابع: "هناك أطفال أصبحوا آباء في سن السابعة، يطبخون، ويجمعون التبرعات، ويفتقدون الحضن الذي يسمح لهم بالبكاء بحرية".

أما عن برامج الدعم، فيرد بحسرة: "لا توجد برامج كافية، فقط إسعافات نفسية غير منظمة، وموارد محدودة.. حتى المُعالِجون مرهقون. نعيش نزيفًا جماعيًا نداويه بقطعة شاش".

ورغم القسوة، يرى الطبيب بصيص أمل في أن يتحوّل الحزن إلى وقود للصمود. "حين يجد الطفل دعمًا حقيقيًا واحتواءً غير مشروط، يستطيع تحويل غياب أحبته إلى رسالة حياة" يعلق، مستدركًا: "لكن هذا التحول لا يأتي من فراغ، بل من بيئة آمنة تتيح له التعبير، والاحتواء، لا الكبت ولا الإنكار".

ويشدد على أن الأطفال لا يحتاجون معجزة، بل يحتاجون إلى من يمسك بأيديهم ببطء. من يقول لهم: "أنا لن أتركك". ويضيف: "أول خطوة أن نعترف بمشاعرهم ونطبطب على حزنهم. أن لا ندفعهم بسرعة نحو النسيان، فالكبت يتحول لاحقًا إلى ألم مزمن".

ويؤكد أهمية الروتين، والتواجد، واللمسة، والحكاية، "فالطفل لا يبحث عن بديل لوالده، بل عن من يمنحه شعورًا بالأمان يشبهه"، محذرًا من الكذب على الطفل، وإخباره بالحقيقة بلغة مناسبة لسنه، وفتح مساحة للتعبير بالرسم أو الكتابة؛ لأن "صرخاتهم ليست كلمات، بل سلوكيات تبحث عمن يراها، لا من يعاقبها".

"قبل الحرب، كان عدد الأيتام في غزة يُقدّر بـ24,000، أما اليوم فقد ارتفع إلى نحو 40,000، بينهم 2,000 طفل فقدوا كلا الوالدين، و500 ناجٍ وحيد من عائلة أُبيدت بالكامل".

وعلى صعيد كفالات الأيتام، تكشف عزيزة الكحلوت، مسؤولة قسم الكفالات في وزارة التنمية الاجتماعية، عن أرقام صادمة. "قبل الحرب، كان عدد الأيتام في غزة يُقدّر بـ24,000، أما اليوم فقد ارتفع إلى نحو 40,000، بينهم 2,000 طفل فقدوا كلا الوالدين، و500 ناجٍ وحيد من عائلة أُبيدت بالكامل" تقول.

وتوضح الكحلوت أن الأيتام ذوي الإعاقة هم الفئة الأكثر هشاشة، إذ لا تتوفر لهم الرعاية اللازمة، حتى في أبسط مقوماتها. وتقول: "هناك أطفال فقدوا ذويهم، ومعهم فقدوا الحليب، والدواء، واللعب، واللباس، وحتى الأمان".

وتؤكد أن نظام الكفالات مشلول تقريبًا، بسبب إغلاق البنوك واستمرار الحرب. "تُمنح الكفالات نقدًا، إن وُجدت، عبر وكلاء محليين، ويجري التعامل فقط مع الأيتام الجدد حسب طلب المؤسسات الداعمة" تضيف.

"يوجد اليوم 1,402 طفل يتيم لم يتجاوزوا من العمر عامهم الأول، بدأوا حياتهم بلا أم، ولا أب، ولا حليب، ولا سرير".

وتتابع الكحلوت: "الكفالات القادمة من الخارج توقفت بالكامل، وبرامج الرعاية شبه معدومة، "لا مراكز إيواء، ولا علاج نفسي، ولا أماكن للعب أو التفريغ"، مردفةً: "يوجد اليوم 1,402 طفل يتيم لم يتجاوزوا عامهم الأول، بدأوا حياتهم بلا أم، ولا أب، ولا حليب، ولا سرير".

وسط كل هذا الخراب، تتكلم الأرقام بوضوح مروّع، لكنها لا تقول القصة كلها. فالأطفال ليسوا مجرد إحصائيات، بل جراح تمشي على الأرض، ووجوه تبحث عن دفء، وقلوب تنزف في صمت. أزمة اليُتم في غزة ليست نهايةً لحياةٍ واحدة، بل تصدّع في بنية الحياة كلها.