نساءٌ في مصيدة "الموت" بحثًا عن "لُقمة": "لأجل أطفالنا"!
تاريخ النشر : 2025-07-15 02:53

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

"قدمت نفسي للموت من أجل أطفالي. انقطع عنا الطعام، فاضطررت للذهاب إلى مصائد الموت لعلّي أجد حفنة أرز أو بعض ما يسعد جوعنا". بالدموع، بدأت السيدة جيهان عبد السلام (35 عامًا) حديثها عن حالها، وقد دفعها الفقر وانقطاع المساعدات وتوقف التكيات في قطاع غزة، للذهاب إلى نقاط توزيع المساعدات الأمريكية التي تحولت إلى مصائد موت، تمامًا كما فعلت الكثير من النساء المعيلات اللواتي وجدن أنفسهن في مواجهة مع المجاعة، دون أي مصدر دخل.

جيهان، مصرية الجنسية، تعيش منذ بدء الإبادة مع أطفالها الأربعة في خيمة بمخيم للنازحين في ساحة الجندي المجهول غربي مدينة غزة. زوجها الستيني مصاب بالسرطان وقد أخذه أهله لعلاجه، وبقيت وحدها تعيل صغارها، تبحث بشتى الطرق عما يوقف جوعهم وبكاءهم المتواصل.

"لدي أربعة أطفال، وحدي أنفق عليهم. فوالدهم مصاب بالسرطان، وعليّ البحث دومًا عمّا يوقف بكاءهم بسبب الجوع".

تقول: "لدي أربعة أطفال، وحدي أنفق عليهم. فوالدهم مصاب بالسرطان وقد أخذه أهله لرعايته، وبقيت وحدي مع أطفالي دون معيل. وعليّ البحث دومًا عمّا يوقف بكاءهم بسبب الجوع".

تصف جيهان المتزوجة منذ 15 عامًا نفسها بأنها "أم وأب" في آن، وتروي أن ابنها الأكبر، البالغ من العمر 14 عامًا، كان رفيقها في رحلات الموت إلى "نتساريم". "انفجر بجوارنا صاروخ وكاد ابني يموت، فلم أعد آخذه معي، وفضّلت بعدها الذهاب إلى نقاط التوزيع جنوبي القطاع"، تقول وهي تبكي.

وتكمل بصوت منكسر: "أذهب سيرًا على الأقدام ليومٍ كامل وأبيت هناك وسط الخطر وإطلاق النار منذ أن تفتح البوابات. أحاول أن أجري ولكن صحتي لا تساعدني. في النهاية نجحت أكثر من مرة في حمل بعض ما يُلقى على الأرض من أرز ومعلبات، لا يمكن حمل كراتين كاملة بل القليل. وأحيانًا أعود بلا شيء، لكن المؤلم هو خوفي على صغاري الذين أتركهم في الخيمة وحدهم. يقتلني الخوف عليهم، لكن ما باليد حيلة".

"لو توفرت فرصة أخرى للذهاب إلى الموت سأذهب، من أجل أن أحضر شيئًا يسد جوع أطفالي الذين لا يتوقفون عن البكاء".

تخبرنا جيهان أنها في بداية الحرب لم تنزح إلى جنوبي قطاع غزة، وعندما تعرّضت منطقتها غربي غزة لقصف بالحزام الناري، نجت بأعجوبة، لكنها فقدت هاتفها وفيه كل أرقام التواصل مع عائلتها، الذين انقطع الاتصال بهم حتى الآن.

تضيف: "أظنهم يعتقدون أنني استشهدت. كنت أجري مكالمة معهم وأثناءها حدث قصف بالحزام الناري وانقطع الاتصال".

تبكي مجددًا، وتختم حديثها: "لو توفرت فرصة أخرى للذهاب إلى الموت سأذهب، من أجل أن أحضر شيئًا يسد جوع أطفالي الذين لا يتوقفون عن البكاء".

أما الشابة خديجة أبو لولي (34 عامًا)، فهي من مدينة رفح جنوبي قطاع غزة، ونازحة حاليًا مع عائلتها في خيمة بمنطقة المواصي غربي محافظة خانيونس. اضطرت هي الأخرى للذهاب إلى مصائد الموت بحثًا عمّا يسد جوع أسرتها، وإن بدت التجربة بالنسبة لها مغامرة قررت خوضها بإرادتها.

تقول خديجة: "قبل الحرب كنت أعمل مصورةً فوتوغرافية وكان لدي دخل جيد، لكن مع بدء الحرب توقفت عن العمل وفقدت مصدر دخلي. بعد نزوحنا إلى خانيونس كنا نعتمد على ما يتم توفيره من تكيات وطرود غذائية، لكن اشتداد الحصار وتوقف كل السلع التموينية بعد استئناف الحرب جعلنا أمام معركة بقاء".

تشرح: "مع بدء الأزمة، كان لدينا بعض السلع التموينية من بقايا الطرود الغذائية. شيئًا فشيئًا بدأت تختفي، ولم تعد هناك بدائل. اعتمدنا لفترة على التكيات لكنها توقفت، والسوق لا يحتوي على مواد تموينية، وحتى ما يتوفر منها أسعارُه باهظة جدًا. لم يبقَ لدينا شيء، فاتخذت القرار بالذهاب إلى نقاط التوزيع وأنا أعلم خطورة الوضع (..) حاجتنا ماسة لأي شيء يسد الرمق".

"في كل مرة تعرضت فيها للخطر ذاته ولمواجهة الموت، لكنني كنت أنجح في حمل بعض الأرز والعدس والفاصولياء والمعلبات، أشياء ضرورية رغم شحّها".

منذ اليوم الأول، خرجت خديجة إلى منطقة العلم غربي مدينة غزة، صباحًا، وسارت مسافة ثلاثة كيلومترات سيرًا على الأقدام. وحين بدأ إطلاق النار من قبل جنود الاحتلال، اتخذت من بقايا البيوت المهدمة ساترًا تحتمي به من الرصاص.

 تكمل: "رأيت بعيني شهداء وجرحى يسقطون على الأرض، لم يتمكن أحد من الوصول إليهم إلا بعد توقف إطلاق النار. خفت ورجعت أول مرة، لكن بعد ذلك كررت التجربة. في كل مرة تعرضت فيها للخطر ذاته ولمواجهة الموت، لكنني كنت أنجح في حمل بعض الأرز والعدس والفاصولياء والمعلبات، أشياء ضرورية رغم شحّها".

وتؤكد خديجة أن الكثير من النساء مثلها يخضن هذه الرحلة القاتلة: "هن معيلات لأسرهن، ما بين أرامل ومطلقات أو وحيدات. دفعتنا جميعًا ظروف المجاعة إلى اتخاذ هذا القرار الذي يجعلنا في مواجهة مباشرة مع الموت".