طفولة على أطراف الخوف.. فراشٌ مبلل وحكايا موجعة!
تاريخ النشر : 2025-07-14 18:01

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

عندما قفز أطفال نرمين إلى حضنها صباحًا كما يفعلون كل يوم، لاحظت غياب يوسف، طفلها الأوسط. ظلّ متكوّرًا تحت غطائه، لا يريد أن ينهض. اقتربت منه بهدوء، ورفعت الغطاء عن رأسه، لتجد ملابسه مبتلّة.

لم يكن المرض هو السبب، بل الخوف.. خوفٌ صامت تسرّب إلى جسده الصغير بعد أن شاهد بأمّ عينيه خيمةً تتطاير شظاياها إثر قصف قريب.

منذ تلك الليلة التي هزّ فيها الانفجار خيام "المواصي" غربي خان يونس، جنوبي قطاع غزة، تغيّر كل شيء! "كأن زلزالًا ضرب المكان"، تقول والدته، وتكمل: "كان الوحيد الذي استيقظ فزعًا من إخوته، حضنته وقلت له إن القصف بعيد، لكنه سمع الصوت كما لو كان في أذنه".

يعيش الأطفال بغزة بين الخوف والجوع والبرد والقصف، لكن الخطر لا يهدد أجسادهم فقط، بل يتسلل إلى طفولتهم، يسحق أمانهم، ويزرع في نفوسهم أعراضًا صامتة.

تلك الطمأنة لم تكن كافية. منذ ذلك اليوم بدأ يوسف يتبول على نفسه دون وعي، ثم يختبئ خائفًا من العقاب. تحاول والدته احتواءه، وتهدئته، وإقناعه بأن ما يحدث ليس خطأه، لكنه يصرّ على النوم بجانبها، ويبكي كل ليلة من دون سبب واضح.

عام وثمانية أشهر مضت على أطفال غزة، يعيشون خلالها في خيام النزوح بين الخوف والجوع والبرد والقصف، لكن الخطر لا يهدد أجسادهم فقط، بل يتسلل إلى طفولتهم، يسحق أمانهم، ويزرع في نفوسهم أعراضًا صامتة، مثل التبول اللاإرادي، الذي لا يُرى لكنه يحكي عن وجع دفين.

يوسف ليس وحده. سلمى الكحلوت، الطفلة التي نجت من قصف منزلها في شمالي غزة أيضًا، تعاني من هذه الحالة.

فقدت سلمى والدتها وشقيقتها تحت الأنقاض، ونجت مع والدها، لكن نجاتها لم تكن كاملة. تحوّلت إلى طفلة عدوانية، ترفض الواقع الجديد، وتبحث كل يوم عن أمها، وتطلب زيارتها كما لو أنها ما تزال على قيد الحياة. يقول والدها: "كل ليلة تحلم بهما، وتستيقظ تبكي وملابسها مبللة. أحيانًا عندما نسمع صوت قصف قريب، تذهب إلى زاوية في الخيمة، تضع يديها على أذنيها وتبكي وتتبوّل على نفسها".

عرضها والدها على طبيب نفسي، وتلقت جلسات متعددة، تحسّنت لفترة قصيرة، لكنها ما إن تسمع صوت الطائرات مجددًا حتى يعود كل شيء كما كان.

"أشعر أحيانًا أن العلاج بلا فائدة، لكنني أواصل المحاولة"، يقول الرجل الذي تحوّل إلى أم وأب في آنٍ معًا. أكثر ما يؤلمه ليس دموعها، بل دعاؤها الليلي المتكرر: "يا رب خلّي الطيران يوقف عشان أنام".

"نحو 1.2 مليون طفل في غزة بحاجة إلى دعم نفسي واجتماعي، وهذا يعني أن جميع أطفال القطاع تقريبًا يعيشون أعراضًا أو صدمات تحتاج إلى تدخل عاجل".

هذه الحالات ليست معزولة، بل هي مؤشّر على أزمة نفسية عميقة يعيشها الجيل الفلسطيني الناشئ. منسقة حماية الأطفال في حالات الطوارئ لدى لجنة الإنقاذ الدولية، أولريكه جوليا ويندت، قالت في تصريحات صحفية إن "نحو 1.2 مليون طفل في غزة بحاجة إلى دعم نفسي واجتماعي، وهذا يعني أن جميع أطفال القطاع تقريبًا يعيشون أعراضًا أو صدمات تحتاج إلى تدخل عاجل".

د. سعيد الكحلوت، أخصائي الصحة النفسية، يؤكد بدوره، أن التبول اللاإرادي عند الأطفال قد يكون طبيعيًا في السنوات الأولى من الطفولة، لكن حين يظهر فجأة بعد عمر الخامسة، فإنه يشير غالبًا إلى ضغط نفسي شديد. ويضيف: "الخوف ينعكس في الجسد تمامًا كما في المشاعر. أصوات القصف، مشاهد الهدم، وفقدان الأقارب، كلها تترك أثرًا عميقًا في الجهاز العصبي للطفل، وتدفعه للتبول بشكل غير إرادي، سواء أثناء النوم أو اليقظة".

"في زمن الحرب.. التبول ليس مشكلة جسدية فقط، بل هو لغة أخرى للطفل، يعبّر بها عن خوفه المكبوت واحتياجه للأمان".

ويتابع الكحلوت: "هذه الظاهرة منتشرة في البيئات التي تشهد صدمات جماعية، مثل الحروب والنزوح. فالطفل الذي لم يكن يعاني من أية أعراض قد يبدأ فجأة بالتبول على نفسه إذا شعر بعدم الأمان، أو واجه مواقف تفوق قدرته على التحمل".

"وفي زمن الحرب"، يقول، "التبول ليس مشكلة جسدية فقط، بل هو لغة أخرى للطفل، يعبّر بها عن خوفه المكبوت واحتياجه للأمان. الطفل لا يحتاج إلى توبيخ، بل إلى حضن يحتويه، وعيون تفهم قلبه قبل أن تُصلح سلوكه".

ويشير إلى أن أبرز الأسباب التي تؤدي لهذه الحالة تشمل القلق، والانفصال عن الأهل، واضطرابات النوم، والشعور بالخطر، وانعدام الروتين اليومي. "الحرب تُربك الإيقاع النفسي للطفل، فيصبح من الصعب عليه التكيف، وتبدأ بعض الاستجابات النفسية بالظهور على شكل أعراض جسدية".

"من المفيد أن يشعر الطفل أن ما يمرّ به طبيعي، بعد ما شهده وعايشه (..) التحدث معه بلغة مطمئنة، والامتناع عن إحراجه أو كشف حالته أمام الآخرين".

وعن كيفية تعامل الأهل مع هذه الحالات، ينصح الكحلوت بالتفهّم والهدوء. "من المفيد أن يشعر الطفل أن ما يمرّ به طبيعي، بعد ما شهده وعايشه (..) التحدث معه بلغة مطمئنة، والامتناع عن إحراجه أو كشف حالته أمام الآخرين، وتقديم الدعم العاطفي، كلها عوامل تعزّز ثقته بنفسه، وتساعده على تجاوز محنته".

لكن في غزة، لا تكفي التوصيات وحدها. فالحرب ما تزال مستمرة، والخيام لا تعرف الليل من النهار، والملاجئ لا تُغني عن صدر الأم. أما يوسف وسلمى ومئات الآلاف من الأطفال مثلهما، فهم لا يملكون ترف الشكوى، لكنّهم يحكون حكايتهم كل ليلة، بصمت، وبقعة ماء على الفراش.