عن "الموت" خلف "حاجز".. لأن جنديًا قرر ألا يفتح الطريق!
تاريخ النشر : 2025-07-13 15:35

الضفة الغربية/ شبكة نوى- فلسطينيات:

لم تكن حربية عبد الفتاح (50 عامًا)، من مدينة سلفيت، وسط الضفة الغربية، تتوقع أن يتوقف قلبها خلف بوابة حديدية مغلقة.

مع أولى ساعات الفجر، باغتتها آلام حادة في الصدر، فأسرعت عائلتها بطلب الإسعاف الذي لم يتأخر في الوصول، لكن مركبة الطوارئ ما إن وصلت المدخل الجنوبي للمدينة حتى اصطدمت بحاجز عسكري مغلق.

وقف الجنود الإسرائيليون بوجوهٍ باردة، ورفضوا فتح البوابة رغم توسلات المسعفين وصرخات الألم.

"سكّروا البوابة، والإسعاف واقف، وأنا بموت"، تهمس حربية وهي تستعيد تلك اللحظات الثقيلة. "حسّيت حالي متّت، والوقت ما كان يمشي"، قالتها وهي تروي الدقائق الأربعين التي قضتها معلقة بين الحياة والموت.

وصلت حربية إلى المستشفى في اللحظة الأخيرة، على حافة سكتة قلبية، وعادت إلى الحياة من خلف بابٍ كان يمكن أن يفتح لها الطريق واسعًا نحو السماء!

ما عاشته حربية لا يبدو استثناءً في الضفة الغربية، بل أصبح جزءًا من مشهد يومي قاسٍ تُختطف فيه الأرواح ببطء خلف حواجز الاحتلال. مئات الحواجز العسكرية تفتك بالناس، لا بالنار، بل بالتأخير والمنع والتفتيش، وتحوّل الطريق إلى المستشفى لمعركة يومية بين المريض والوقت والسلاح.

وتُظهر إحصائيات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان أن عدد الحواجز الإسرائيلية في الضفة والقدس، بلغ 898 حاجزًا وبوابة حتى يناير 2025م. الخليل تتصدر بـ229 حاجزًا، تليها رام الله بـ156، ثم نابلس بـ148، والقدس بـ82، بينما توزعت البقية بين سلفيت وقلقيلية، وبيت لحم، وطوباس، وأريحا، وطولكرم، وجنين. تلك ليست مجرد أرقام، بل متاريس حقيقية تقطع أنفاس المرضى، وتقتل ببطء.

في حادثةٍ أخرى، كانت سيارة إسعاف تُقلّ شابة حامل في حالة حرجة إلى مستشفى "رفيديا" في نابلس. الرحلة توقفت عند بوابة حوارة، حيث رفض الجنود السماح بمرور الطاقم الطبي أو حتى تسليم المريضة إلى إسعاف آخر على الجهة المقابلة.

يقول بشار القريوتي، سائق الإسعاف: "طلبنا فقط تمرير الحالة، لكنهم هاجمونا ورفعوا السلاح في وجوهنا. اضطررنا لنقلها يدويًا من تحت البوابة، وسط صراخها جراء الألم الشديد". وصلت الشابة إلى المستشفى، وكان أحد التوأمين في حال حرجة، إذ كاد أن يفقد حياته على الطريق.

القريوتي، الذي يعمل في هذا المجال منذ سنوات، يروي حوادث متكررة كهذه، ويؤكد أن سيارات الإسعاف تُحتجز يوميًا، وتخضع لتفتيش مُذل، وأحيانًا لهجوم من الجنود أو المستوطنين.

"نُفتّش، تُؤخذ هوياتنا، يُمنع مرورنا، حتى ونحن نحمل نساء في حالة ولادة أو مرضى قلب على شفا الخطر"، يقول. ويتابع: "لم تعد سيارة الإسعاف وسيلة نجاة، بل صارت هدفًا في مرمى الاحتلال، رغم الشارة الطبية البارزة عليها".

الدكتور عبد الجليل حنجل من مستشفى "رفيديا"، يؤكد أن التأخير على الحواجز يضاعف خطورة الحالات. "الجلطات القلبية والدماغية تحتاج إلى تدخل خلال دقائق. كل دقيقة تُحدث فرقًا، وتأخير الحالة لساعات قد يؤدي إلى مضاعفات لا يمكن تداركها".

ويشير إلى أن النساء الحوامل يواجهن خطرًا مضاعفًا، خصوصًا حين يُجبرن على التنقل بين سيارات الإسعاف على طرفي الحاجز، مؤكدًا وجود حالات وثّقت فيها ولادات على الطرقات، وبعضهن فقدن الأجنة، أو تعرضن لنزيف حاد، أو مضاعفات من تسمم الحمل أو نقص الأوكسجين.

"النساء أصبحن يترددن في التوجه للمستشفيات خوفًا من الحواجز. بعضهن يصل متأخرًا جدًا، ما يؤدي إلى تفاقم الحالات، خاصة في حالات سكر الحمل أو ارتفاع الضغط".

يتابع حنجل: "النساء أصبحن يترددن في التوجه للمستشفيات خوفًا من الحواجز. بعضهن يصل متأخرًا جدًا، ما يؤدي إلى تفاقم الحالات، خاصة في حالات سكر الحمل أو ارتفاع الضغط".

وكانت منظمة "أطباء من أجل حقوق الإنسان"، أصدرت في إبريل/ نيسان 2025م، تقريرًا، وثّق أكثر من 620 حالة تأخير لسيارات الإسعاف خلال عام، منها 146 حالة طارئة نسائية.

كما وثّق التقرير 22 حالة وفاة على الحواجز خلال السنوات الخمس الماضية، بينها ثماني نساء حوامل. أرقام ثقيلة تنطق بالعجز، وتُشير إلى مأساة مستمرة خلف صمت البوابات.

البوابات الحديدية التي تُغلق في وجه الإسعاف أصبحت سلاحًا صامتًا يُمارس عنفًا ممنهجًا ضد النساء، خصوصًا الحوامل والمريضات.

لم تعد البنادق وحدها تقتل في فلسطين. البوابات الحديدية التي تُغلق في وجه الإسعاف أصبحت سلاحًا صامتًا يُمارس عنفًا ممنهجًا ضد النساء، خصوصًا الحوامل والمريضات. كل دقيقة انتظار على الحاجز قد تعني خسارة جنين، أو موت امرأة تنزف بصمت، أو حرمانها من العلاج في الوقت المناسب.

تقول حربية، بعد أن عادت من الموت: "ربنا كتبلي حياة جديدة، بس في غيري يمكن ما لحقوا".

في فلسطين، لا تموت النساء دائمًا بالرصاص، بل أحيانًا تموت خلف بوابة مغلقة، على يد جندي قرر ألا يفتح الطريق. والسؤال يبقى: "أين صوت العالم حين تتحول أجساد النساء إلى ميدان لانتهاكات الاحتلال؟ وإلى متى ستبقى المرأة الفلسطينية تدفع ثمن ثباتها فوق أرضها المحتلة؟