غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
"انعدمت طفولتي"، بهذه الكلمات، خاطب طفلٌ العالم. ركان العواودة، الصبي الفلسطيني البالغ من العمر (13 عامًا)، تغيّرت حياته في لحظة. كانت يداه دليل عمره الغض، لكنهما اليوم دليل وجعه وقهره، إحداهما أصبحت لقبًا يلاحقه: "أبو إيد مقطوعة"، أما عينه فتوشك أن يفقد النظر بها إلى الأبد.
في أحد الأيام القاتمة من فبراير الماضي، وبينما كان الركام يلف ما تبقى من بيته، وجد ركان علبة تونة مختبئة! كانت معدته تقرع جدار الجوع بإلحاح، فأخرجها والفرح يراقصه. فتح الغطاء الحديدي ولم يتوقّع أن تتغير حياته بعدها إلى الأبد.
انفجرت العلبة بقوة، كانت جزءًا من مخلفات تركها الاحتلال متنكرة بهيئة طعام. لم يكن التفجير عاليًا، لكن شظاياه كانت كافية لتقزيم حياة طفلٍ وتشويهها.
فقد ركان أصابع يده اليسرى، وعينه اليمنى قد ينطفئ نورها في أية لحظة. لم يكن ذلك العجز الجسدي أقوى ما حدث، أمام ما يناديه به أقرانه: "أبو عين وحدة"، "أبو إيد مقطوعة".
يقول بصوتٍ يرتعش: "كرهت كل شيء حولي. كرهت التونة، وكرهت اللعب، وكرهت الأصدقاء".
ركان لم يعد الطفل الذي يعرفه الجميع، يلعب أو يجري أو يدافع عن نفسه بكرة صغيرة في الزقاق. لا يمكنه الإمساك بقلمه حتى، إذ كيف يكتب أحلامه وهو رهن اللحظة، غير قادر على الإمساك حتى بمشاعر الأمان؟
تحوّلت روحه إلى رقعة مستباحة للمتنمرين. تنمرٌ بارد وإهمال في الحياة ككل. "لم أعد أكتب، يقول بحزن، "لم أعد ألعب"، فهو الآن كما يصف نفسه: "جسدٌ مثقل بالعجز، وروحٌ مثقوبة بالتنمر والخذلان".
بين ذلك الدمار كله، لا يزال بعض الأمل يثمر. ركان لا يطلب إلا "فرصة بسيطة" للعلاج، يدٌ حانيةٌ تستقبله في مستشفى خارج قطاع غزة، وتعيد له القدرة على الحياة.. على إمساك القلم، على العودة لرؤية النور من جديد.
يحلم ركان بالسفر ولو ليومٍ واحد -يحكي- "إلى مركز طبي يُركب لي طرفًا صناعيًا ويوقف نزيف فقدان بصره" يزيد.
ما تبقى من روح ذلك الطفل، ما زالت تنشد أن يكون يومًا ما طبيبًا أو مهندسًا، أن يعيد بناء نفسه قبل أن يعيد بناء وطنه.
قصته ليست استثناء، بل نذير يجمّد الضمير؛ فنحن نتفرّج على أزمات كهذه منذ عامين تقريبًا. لا صوت يعلو إلا صوت القصف، ولا ضغط مؤسسي دولي يُطالب بحقوق الطفل في حياة كريمة. ركان اليوم رمزٌ لطفولة مسلوبة، لكنه أيضًا يطالب بحقه بوضوح: "أريد أن تقفوا إلى جانبي".
يحكي بصيغةٍ طفولية: "يمكن بعد كم سنة ألاقي حالي صرت إشي كبير. محتاج مساعدة، أنا مش راح أستسلم، وراح أظل أحاول حتى أحقق الإشي اللي بيرضي روحي".
