"شوربة سمك".. ملاذ الجياع في مفترقات غزّة!
تاريخ النشر : 2025-06-30 11:33
جانب من بيع شوربة السمك عند أحد المفترقات بمدينة غزة

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

يجلس محمود أبو حصيرة عند مفترق الشعبية وسط مدينة غزة، وأمامه قدر كبير من شوربة السمك. يتهافت عليه الجائعون ويعدّونه طبقًا من ذهب في ظل انعدام الأطعمة، وغلاء أسعار الأسماك، الذي يحول دون قدرتهم على تناولها.
يقول أبو حصيرة، وهو صاحب أشهر مطاعم الأسماك في غزة لـ"نوى": "دمّر الاحتلال جميع مطاعمنا على شاطئ بحر غزة. كان لدينا مطعم السلام- أبو حصيرة، ومطعم المرسى، وكانا مصدرًا للرزق، لكننا اليوم خسرنا كل شيء".

ويضيف: "كنّا نصدّر الأسماك إلى الضفة الغربية والداخل المحتل، وكانت مطاعمنا مقصدًا للسياح والوفود، وطوق نجاة للمواطنين في القطاع، لا سيّما وأن أسعارنا كانت بسيطة وفي متناول اليد".

لم تسلم أي من المطاعم أو المقاهي على شاطئ غزة من قصف طائرات الاحتلال، التي استهدفت عمدًا جميع الأماكن الحضارية في القطاع، في محاولة لإلغاء كل مظاهر الحياة فيه.

شهور طويلة ذاق خلالها أبو حصيرة طعم الموت مرارًا، بدءًا من استشهاد 42 فردًا من عائلته، وليس انتهاءً بخسارته لكل ممتلكاته. يتابع: "حين عدت من جنوبي القطاع بعد النزوح، ورأيت ممتلكاتنا وقد تحوّلت إلى رماد، ولم يعد لي لا مصدر رزق ولا بيت، وفوق ذلك فقدت إخوتي وأخواتي وأبناءهم، لم أجد أمامي خيارًا إلا الوقوف، والبدء مجددًا من نقطة الصفر".

وأشار إلى أن حجم خسائره تجاوز مليونًا ومئتي ألف دولار، مضيفًا وهو يحاول حبس دموعه: "جروحي لا تزال غائرة، والخسارة أعظم من أن تُعوّض".

لم يتمكّن أبو حصيرة من إعادة فتح مطعميه، أو إعادة بناء ما دمّره القصف، بسبب استمرار الحرب الإسرائيلية على القطاع، وعدم توفر المواد الخام. ويخبرنا: "كما أن أسعار السمك مرتفعة جدًا، والناس غير قادرة على شرائها"، بينما يتساءل متألمًا: "بأي منطق أعود وأفتتح مطعمي مرة أخرى؟".

رفض أصدقاء محمود أن يُمحى اسم "مطاعم أبو حصيرة" الشهير، بعد تعب الأجداد والآباء على مدار 52 عامًا، فشجعوه على الوقوف مجددًا وبيع شوربة السمك، فقط ليظل الاسم حاضرًا.
يقول محمود: "قبل ثلاثة أشهر، شجّعني أصدقائي على بيع شوربة السمك، فافتتحتُ عدة نقاط بيع في مفترقات مختلفة من القطاع".

مع بزوغ الفجر، يُشعل أبو حصيرة النار عند مفترق الشعبية، ليبدأ بتحضير شوربة السمك المكوّنة من سمك السلطعون والصدف والبوك والأسماك العادية.

ويقول: "أمكث قرابة الساعتين حتى ينضج القدر الأول، ومع ساعات الصباح يبدأ الناس بالتوافد للشراء. بعضهم يجلب معه رغيف خبز ليتناولها كوجبة فطور، وآخرون يعدّونها طوق نجاة يقيهم الجوع في ظل انعدام الطعام في الأسواق".

وعند سؤاله من قبل مراسلة "نوى" عن الأسعار، أجاب: "يتناولها الغني والفقير، فأسعارنا في متناول الجميع. الكوب يبدأ سعره من 2 شيكل وحتى 10 شواكل، حسب طلب الزبائن".

لم يكن أبو حصيرة يتوقع هذا الإقبال الكبير، ويروي: "الإقبال متواصل في كل وقت، فالناس جائعون، ويرون الشوربة غذاءً مفيدًا وصحيًا يقوّي أجسادهم المنهكة".

وعن أكثر المواقف ألمًا بالنسبة له؟ يجيب: "حين يراني الناس أبيع على المفترق، بعدما كنت أملك مطاعم كبيرة.. أشعر بالحسرة، لكن العمل ليس عيبًا بكل الأحوال".

وبرغم ارتفاع تكاليف تحضير الشوربة، يواصل أبو حصيرة عمله، فلا خيار أمامه سوى هذا، "ولا مجال لرفاهية الاختيار في مدينة مُنهكة، شبه خالية من مظاهر الحياة" على حدّ وصفه.
وعن أمنيته وسط حرب الإبادة، يختم مبتسمًا برضا: "أتمنى أن تتوقف الحرب، وأن نعود لبناء مطاعمنا من جديد، وأن يعود الجميع لزيارتنا كما كانوا من قبل".