"النقرس".. "مرض الملوك" يقتحم خيام غزّة!
تاريخ النشر : 2025-06-25 19:28

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

لم يكن سليمان عبد السلام يتوقع أن الوجع والاحمرار المستمر في مفاصل يديه طوال الأيام الماضية هو عرض لمرض النقرس. وما إن أخبره الطبيب بذلك التشخيص، حتى أطلق ضحكة مدوية عمّت أرجاء المركز الطبي وهو يقول بسخرية ممتزجة باليأس: "أنا من أين لي باللحم يا دكتور؟".

يبدو أن الصدفة وحدها قادته لاكتشاف مرضه؛ ففي مدينة الموت، لا توجد رفاهية الذهاب للطبيب عند الشعور بألم عابر، كما يقول. كان قد رافق ابن عمه، المصاب في حرب الإبادة، إلى المركز الطبي لتغيير الضماد على جرحه، فلاحظ الطبيب تورمًا ملحوظًا في يد سليمان، ما دفعه لطلب بعض التحاليل الطبية التي لم تكن جميعها متوفرة في المركز، فاضطر حينها للتنقل بين عدة مشافٍ مركزية في القطاع حتى تمكن من الحصول على النتائج.

ضرب سليمان كفًّا بكفّ وهو يردد: "همٌّ يُبكي، وهمٌّ يُضحك"، ثم تابع قائلًا: "يطلب مني الطبيب اتباع حمية. أي حمية هذه التي أتبعها في ظل المجاعة؟".

بعد انتظار طويل في مستشفى القدس غربي مدينة غزة، دخل أخيرًا إلى الطبيب الذي أكد إصابته بمرض النقرس! وعندما أخبره سليمان بأنه لم يتناول اللحم منذ نحو عام ونصف، كان رد الطبيب أن الإفراط في تناول العدس واللحوم المعلبة، وخاصة التونة، هو ما تسبب في ارتفاع نسبة اليوريك أسيد المسبب للمرض.

ضرب سليمان كفًّا بكفّ وهو يردد: "همٌّ يُبكي، وهمٌّ يُضحك"، ثم تابع قائلًا: "يطلب مني الطبيب اتباع حمية غذائية كي لا تتفاقم حالتي، لكن أي حمية هذه التي أتبعها في ظل حرب إبادة وتجويع ممنهج يقودها الاحتلال الإسرائيلي وقادته المتطرفون ضد مليوني إنسان في القطاع؟".

وتساءل بصوت يملؤه الغضب والأسى: "هل يدري العالم أن صحن فول للإفطار، ومثله عدس للغداء، يُعد ترفًا لسكان المدينة المحاصرة؟".

في زاوية أخرى من الحكاية، كان بكاء الطفل محمد أيوب كافيًا لتدرك والدته أن ثمة خللًا في جسده، فاصطحبته إلى أقرب نقطة طبية. تقول والدته لـ"لنوى": "كان يشتكي من ألم حاد في قدميه ويديه، وفي البداية ظننت أن السبب هو المسافات الطويلة التي يقطعها مشيًا، أو حمله لجالونات المياه يوميًا إلى خيمة النزوح التي نعيش فيها، فأعطيته بعض الراحة، لكنها لم تنفع". ومع استمرار تدهور حالته، وجدت الأم نفسها في مواجهة تشخيص صادم: النقرس.

يؤكد الطبيب أن حالات مشابهة باتت تتوافد إلى النقاط الطبية، وجميعها تظهر ذات الأعراض. ولم تحاول الأم إخفاء دهشتها، فكل ما تعرفه عن هذا المرض أنه مرتبط بالإفراط في تناول اللحوم الحمراء.

تزداد حيرتها في ظل غياب الطعام الصحي، واستحالة فرض حمية غذائية لطفلها، فإما أن تترك التورم والاحمرار يتمددان في مفاصله بفعل الغذاء المعتمد على البقوليات والمعلبات التي باتت باهظة الثمن، أو أن تراه يذوب جوعًا بانتظار معجزة تجلب الدقيق والخضروات إلى أسواق المدينة.

أخصائية التغذية الإكلينيكية والعلاجية إيمان صيام، أكدت بدورها أن "النقرس" هو في جوهره ارتفاع في نسبة "اليوريك أسيد" في الدم، وهو ما يرفع من حمض "البيورين".

وتشرح أن الجسم حين يتناول أطعمة تحتوي على نسب عالية من هذه المادة، تقوم الكلية عادة بالتخلص من الفائض منها، ولكن في حال وجود خلل في الكلى، أو استهلاك مفرط لتلك الأطعمة، فإن الجسم يعجز عن التخلص منها، ما يسبب تراكمها في المفاصل والأنسجة.

أهم أعراض النقرس: التهابات المفاصل، وآلام حادة، واحمرار وتورم، خاصة في إصبع القدم الكبير. "وقد ترافق هذه الأعراض حمى وارتفاع في درجة الحرارة".

ولمرض "الملوك"، كما يشاع عنه، عدة أعراض كما تشير صيام، منها التهابات المفاصل، وآلام حادة، واحمرار وتورم، خاصة في إصبع القدم الكبير. "وقد ترافق هذه الأعراض حمى وارتفاع في درجة الحرارة" تقول.

وتوضح أن العدس، والبقوليات، واللحوم المعلبة لا تسبّب المرض فحسب، بل تؤدي إلى تفاقمه وانتشاره إلى الكبد والبنكرياس، كما قد يصاحبه ارتفاع في ضغط الدم، والصداع، وحتى أعراض مشابهة للإنفلونزا.

وتحذر صيام من أخطر مراحل المرض، وهي المرحلة الثالثة، حيث يصبح الجسد غير قادر على الحركة أو تحمل أدنى مجهود.

وتنصح بالتزام المريض بنظام غذائي يعتمد على الدقيق والزعتر والدُقة (شريطة ألا تكون مصنوعة من العدس)، وتناول المربى، والشاي الأخضر، والقهوة أو الكاكاو كبدائل، إضافة إلى الخضروات والفواكه، وتناول اللحوم البيضاء كالسمك أو الدجاج مرة واحدة في الأسبوع إن توفرت.

وتشدد على أهمية إجراء الفحوصات الطبية وتناول الأدوية التي يصفها الطبيب لضبط المرض منذ بداياته، إلى جانب متابعة التاريخ المرضي للعائلة، والتأكد من سلامة الكلى وخلوها من الحصى أو الالتهابات. كما تؤكد ضرورة ممارسة النشاط البدني، وشرب المياه بكميات كافية لا تقل عن 3 لترات يوميًا.