العصافير "وجبة" في بطن غزّة "الجائعة"!
تاريخ النشر : 2025-06-15 14:42

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

"لا طعام، ولا لحوم.. اضطررنا لأكل العصافير"، بهذه الكلمات بدأ الصياد محيي الدين زناد يروي رحلته اليومية الشاقة، المحفوفة بالمخاطر، في سبيل البحث عن العصافير واصطيادها، ليؤمّن لقمة تسد رمق عائلته.

يقول لـ"نوى": "ثلاثة أشهر لم نذق فيها طعم اللحم، لذلك حين أعود إلى خيمتي وقد تمكنت من صيد العصافير، أشعر وكأنني امتلكت الدنيا"، ثم يعقب: "ننقذ أنفسنا بها في زمن صار فيه رغيف الخبز حلمًا".

"الطيور تخشى الناس والخيام، وتأتي بكميات قليلة إلى البحر، مقارنة بالحدود حيث تتوفر بأعداد كبيرة".

مع ساعات الفجر الأولى، يحمل زناد شباك الصيد على ظهره، ويتجه إلى المناطق الخالية من النازحين، وتحديدًا تلك الواقعة بين دير البلح وسط القطاع وخان يونس جنوبه، حيث تتوفر الطيور ولا تخشى اقتراب الناس.

يقول: "كنت قبل الحرب أذهب للاصطياد عند المناطق الحدودية الشرقية، لكن الوضع الآن اختلف، فلا يمكن لأحد الوصول إلى تلك المناطق، لأن الاحتلال يطلق النار على كل من يقترب منها، ويصنفها مناطق قتال عسكرية".

أحيانًا، يضطر زناد للصيد بين خيام النازحين، لكن بكميات شحيحة جدًا. يضيف: "الطيور تخشى الناس والخيام، وتأتي بكميات قليلة إلى البحر، مقارنة بالحدود حيث تتوفر بأعداد كبيرة".

ولأن الطيور على أشكالها تقع، يصطحب زناد طائرًا من النوع الذي يريد اصطياده، في محاولة لجذب المزيد منه إلى المكان. يقول: "على البحر أتمكن من صيد العصافير البلدية، واليمام البري، وطائر الدوري، والفرِّ، أما طائر الحسون فنادرًا ما يأتي إلى البحر، على عكس كثرته عند الحدود الشرقية".

قبل حرب الإبادة، كان الصيد يُمارس كهواية، أما الآن، في زمن المجاعة، فقد تحولت الهواية إلى وسيلة نجاة، وبات الصيد ضرورةً لإطعام العائلات.

يتابع زناد: "أصيد في اليوم الواحد خمسين عصفورًا، وأبيع الواحد بشيكل، وفي نهاية اليوم أجني مبلغًا بسيطًا أشتري به احتياجات البيت"، مشيرًا إلى أنه أحيانًا يرفض البيع ويعود بالغنيمة لأطفاله.

في الحرب، أن تذهب للصيد يعني أن تحمل روحك على كفّك وتمضي. فمن المحتمل في أي لحظة أن تُقصف الأرض التي تصطاد فيها، أو الأرض المجاورة.

"كنت في غربي القرارة بخان يونس، حين جاء صياد يركض ويصرخ: اجو اليهود.. اجو اليهود! هربت ناجيًا بنفسي، وتركت الشباك والعصافير خلفي".

وعن أكثر المخاطر التي تعرض لها، يقول زناد: "قصف الاحتلال أرضًا مجاورة للمكان الذي كنت أصيد فيه، لم يكن بيني وبينها سوى مئتي متر. تطايرت الشظايا من كل حدب وصوب، وأُصبت في قدمي".

الخطر لا يقتصر على القصف، فثمة ما هو أشد. الخوف من دبابات الاحتلال التي قد تباغت المكان وتحاصره، يروي زناد: "كنت في غربي القرارة بخان يونس، حين جاء صياد يركض ويصرخ: اجو اليهود.. اجو اليهود! هربت ناجيًا بنفسي، وتركت الشباك والعصافير خلفي".

"أصطاد كل يوم بيومه، إن لم أصطد لا آكل. أصطاد في اليوم خمسين عصفورًا وأبيعها بخمسين شيكلًا. يوم في الصيد لي، ويوم لصاحب الأرض".

حال زناد لا يختلف كثيرًا عن حال الصياد يوسف منصور (30 عامًا)، الذي يتقاسم صيده مع صاحب الأرض التي استأجرها منه ليؤمّن قوت يومه.

يشكو حاله لـ"نوى": "أصطاد كل يوم بيومه، إن لم أصطد لا آكل. أصطاد في اليوم خمسين عصفورًا وأبيعها بخمسين شيكلًا. يوم في الصيد لي، ويوم لصاحب الأرض".

يقف منصور قرب الشباك التي نصبها فجرًا، يُخرِج من أحبالها عصافير الدوري التي اصطادها للتو، ويخبرنا: "أبيعها وأشتري بها مستلزمات البيت"، ثم يعقب بصوت يملأه القهر: "نريد أن نعيش.. أريد أن أوفّر لقمة لأولادي الجائعين".

"في أي لحظة قد يرفض صاحب الأرض أن أصطاد فيها، فأُضطر لترك المكان والبحث عن آخر، وهذا يستغرق أسبوعًا كاملاً".

يعيش منصور حالةً من القلق الدائم، يخشى أن يخرج فجرًا للصيد ويعود خالي الوفاض. يقول: "في أي لحظة قد يرفض صاحب الأرض أن أصطاد فيها، فأُضطر لترك المكان والبحث عن آخر، وهذا يستغرق أسبوعًا كاملاً".

خاطر منصور بحياته مرات عدة من أجل لقمة العيش، وعاش لحظات رعبٍ حبست الأنفاس. يروي: "كنت أصيد صباحًا عند منطقة فش فرش غربي رفح، حين أطلق الاحتلال قذائفه علي بشكل مباشر. بحمد الله لم تنفجر القذيفة الأولى، فهربت تاركًا خلفي كل أدواتي، ثم قصفوا المكان ثماني مرات أخرى، ونجوت بأعجوبة".

بدوره، يقول المختص البيئي الدكتور عبد الفتاح عبد ربه لـ"نوى": "إن تدمير الاحتلال الإسرائيلي للنظم البيئية كالمزارع والمحاصيل والبيارات، أدى إلى قتل أعداد كبيرة من الطيور، وتدمير أعشاشها، ومنع تكاثرها".

وأكد أنه لا توجد إحصائية دقيقة لعدد الطيور في قطاع غزة، مشيرًا إلى أن هناك حوالي 15 نوعًا، من ضمنها الشنار، والفر، والسمان، والحمام البري، يمكن تناولها في ظل المجاعة التي تعصف بالقطاع.

وفيما يتعلق بصيد الطيور والاتجار بها، قال عبد ربه: "لا يحق لأحد في العالم أن يسأل الفلسطيني الجائع: ماذا تفعل؟ فالمجاعة أسوأ من الحرب ذاتها، والجوع لا يرحم"، مطالبًا العالم بأسره بتوفير الغذاء لسكان القطاع حتى لا يضطروا لأكل الطيور، وتصبح أرواحها، كما البشر، ضحية لحصار لا يرحم.