غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
تجلس أم الطفلة ريتال سالم في زاوية خيمتها المتواضعة، تضم ابنتها ذات السنوات الست إلى صدرها وتغالب دموعها، وتهمس بصوت مرتجف: "كانت واقفة على باب البيت حين قُصف المنزل، لم أتمكن من الوصول إليها.. فقدت يدها واحترق جسدها".
منذ لحظة إصابتها، لم تكف ريتال عن طرح السؤال ذاته: "أين ذهبت يدي؟"، فترد أمها بحنان ممزوج بالحزن: "سبقتك إلى الجنة يا صغيرتي، وبإذن الله سنركب لك يدًا صناعية لتعودي للرسم واللعب".
الأكثر قسوة كان رفض الأطفال اللعب مع ريتال، وتنمّرهم على اختلافها. "قالوا لها: لا تعودي للعب معنا إلا إذا عادت يدك",
وبعد مساعٍ مضنية، تم تركيب طرف صناعي لريتال، لكنه كان ثابتًا لا يتحرك، مما زاد من خيبة أملها. فقدت متعة اللعب والرسم، حتى أن دخولها إلى المرحاض أصبح أمرًا شاقًا. تقول والدتها: "حاولتُ أن أعلمها استخدام يدها اليسرى في الكتابة والرسم. تبذل جهدًا لكنها تتعب سريعًا".
لم تقتصر معاناة ريتال على ما فقدته من جسدها، بل طالت أيضًا روحها الصغيرة. فآثار الحروق تناثرت على جسدها بسبب نقص المراهم اللازمة، وسوء التغذية ترك بصماته القاسية. ولكن الأكثر قسوة كان رفض الأطفال اللعب معها، وتنمّرهم على اختلافها. "قالوا لها: لا تعودي للعب معنا إلا إذا عادت يدك"، تضيف الأم. ومنذ ذلك الحين، أصبحت تنطوي على نفسها وتخشى مخالطة الآخرين.
تحلم ريتال بالسفر خارج غزة لتلقي العلاج المناسب، وتركيب طرف يساعدها على استعادة بعض من حياتها. "تقول لي: عندما أكبر سأصبح طبيبة لأعالج الجرحى"، تقول والدتها بفخر بينما تنهمر على خديها الدموع.
أما محمد أبو العطا، ابن حي الشجاعية، البالغ من العمر ست سنوات، فقد خرج من الحرب بجسد سليم، لكنه يحمل في داخله آثارًا لا تُرى. يعاني محمد من فرط الحركة، وهي حالة تزداد سوءًا في بيئة تفيض بالخوف وتُقيّدها الأنقاض، ما جعله عرضة للتنمر والنفور.
تقول والدته: "كان يعاني من فرط الحركة قبل الحرب، لكنها تفاقمت بعد ذلك، بات لا يهدأ لحظة واحدة، ولم أعد قادرة على السيطرة عليه".
خلال إحدى الغارات، أصيب محمد عندما انهار جزء من المنزل فوقه. "أخرجوه من تحت الركام مصابًا في رأسه. قبل ذلك بدقائق كان يطلب مرافقتي للخروج، لكنني رفضت لأنه كان يرهقني كثيرًا"، تروي والدته بألم.
ما فاقم من وضعه كان تعليقات من يجهلون حالته. "يقولون: ابنك لا يهدأ، غريب، لا نتحمل وجوده". وتعلق والدته: "هو لا يدرك ما يعاني منه، لكنه يشعر بالرفض".
تختم حديثها برجاء صادق: "أتمنى من الناس أن يتحلّوا بالصبر تجاهه. الطفل الذي يعاني من فرط الحركة لا يحتاج إلى تذمر، بل إلى احتواء وحب حقيقي".
وفي حي آخر، تسكن الطفلة فاطمة أبو عبادة، ذات الخمس سنوات، ضحية جديدة لصوت القصف، ولكن أيضًا لصوت السخرية. لم يُخرسها هدير الطائرات، بقدر ما أسكتتها ضحكات أقرانها الجارحة. باتت تُعاني من بطء في الكلام وتلعثم واضح، أفرزته نظرات ونكات جعلت خوفها من الآخرين أشد من قسوة الحرب ذاتها.
كانت تحاول الاقتراب من الأطفال، لكن همساتهم الساخرة ونظراتهم المشككة دفعتها للانسحاب بصمتٍ موجع. "بدأت تتأتئ، وانخفض صوتها كثيرًا، حتى اسمها لم تعد تنطقه جيدًا"، تروي والدتها. وكلما حاولت التعبير، اصطدمت بكلمات لاذعة: "ماذا تقولين؟ تكلمي جيدًا!"، فتسكت وتغيب في عزلتها.
ومع مرور الوقت، أصبح الخوف من السخرية أكبر من رغبتها في الحديث. هجرت اللعب، وطلبت من والدتها أن تبقى قربها طوال الوقت، هربًا من لقاء أولئك الذين يجرحونها بكلمة. تقول الأم: "تبكي حين تسمع أصواتهم، ليس لأنها ضعيفة، بل لأنهم يذكّرونها في كل مرة أنها مختلفة".
بدأت جلسات علاج النطق، ومعها ظهرت بوادر تحسّن بسيط، لكن الطريق ما زال طويلًا. فالمشكلة لم تكن فقط في مخارج الحروف، بل في أعينٍ لم ترَ فيها سوى العجز، وألسنة اعتادت التنمّر على من لا يشبه الأغلبية.
"الأطفال المختلفون بحاجة إلى معاملة خاصة من الأسرة والمجتمع المحيط، خاصة في السنوات الخمس الأولى التي تُشكّل جوهر الشخصية".
وفي تعليق حول ظاهرة التنمر التي تطال الأطفال ذوي الإعاقة، يؤكد الدكتور أحمد العرابيد، أستاذ علم الاجتماع في جامعة الأقصى، أن هؤلاء الأطفال بحاجة إلى معاملة خاصة من الأسرة والمجتمع المحيط، خاصة في السنوات الخمس الأولى التي تُشكّل جوهر الشخصية.
ويضيف: "بعد هذه المرحلة، تبدأ المؤسسات التربوية كالمدارس ورياض الأطفال بدورٍ تكميلي في تشكيل شخصية الطفل، لذا فإن حماية الطفل ذو الإعاقة النفسية والاجتماعية مسؤولية جماعية، وليست فردية".
"قد تظهر على الطفل أعراض مثل التبول اللاإرادي، أو الميل إلى السرقة كطريقة لإثبات الذات. كلها مظاهر لألم داخلي لا يُرى بالعين".
ويحذر من الآثار النفسية العميقة التي يخلّفها التنمر، التي قد تؤدي إلى ضعف الشخصية، والانطواء، والخوف من الآخرين، أو حتى سلوك عدواني كرد فعل دفاعي. ويقول: "قد تظهر على الطفل أعراض مثل التبول اللاإرادي، أو الميل إلى السرقة كطريقة لإثبات الذات. كلها مظاهر لألم داخلي لا يُرى بالعين".
ويشدد د.العرابيد على أهمية دور الأسرة في بناء ثقة الطفل بنفسه، وتطوير قدراته، إلى جانب دور المدارس والمساجد والأندية المجتمعية في التوعية بضرورة تقبّل الأطفال المختلفين، وعدم ممارسة التنمّر ضدهم.
