يوم ولادته قُتل في مهده حيًا.. هنا "ديوان عائشة"!
تاريخ النشر : 2025-06-11 14:16

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
"جاهدت أربع سنوات، وجهّزت نفسي لهذا اليوم. لم أدرك.. بل لم أتخيل أن كل هذا التعب سيذهب سُدى". هكذا بدأت الكاتبة عائشة البطش (33 عامًا)، برواية "حسرتها" عندما انقلب صباح فرحتها "غُمة"، وضاع الحلم تحت عجلة أول أيام الحرب: السابع من أكتوبر/ تشرين أول 2023م.

ذلك اليوم، كان موعد ولادة أول مؤلفاتها الأدبية "ديوان عائشة"، حيث نسقت مع مكتبة سمير منصور لتجهز النسخ المطبوعة، من أجل توزيعها على الحضور في حفل التوقيع.

تقول: "كنت مهتمة جدًا بتوثيق إنجازي ليلقى صدى في كل مكان، لذلك دعوت الصحافة والأصدقاء والكتاب. على أحر من الجمر كنت أنتظر صباح ذلك اليوم، ولمّا جاء.. طحنت الحرب الحلم".

تهرب بعينيها يمينًا وشمالًا لتداري دمعتها، وتضيف: "كنت أحدث نفسي أن ذلك اليوم سيكون مميزًا وسيبقى محفورًا في ذاكرتي كأجمل أيام العمر.. بالفعل كان يومًا لا ينسى من تاريخ حياة كل الفلسطينيين في قطاع غزة، وليس في ذاكرتي وحسب".

كتمت الحرب الإسرائيلية المتواصلة على قطاع غزة، صدى "ديوان عائشة"، الذي تحدثت فيه عن معاناة المرأة الفلسطينية والحصار الخانق على القطاع، كذلك شملت فيه الحب والعائلة والوطن بعمومه، وغلب على ديوانها الطابع الرومانسي.

تتابع وعلى وجهها ايماءات القهر: "لم يحظ الديوان بالنشر في القطاع، ولم يعرف به أحد إلا من اطلع عليه أثناء كتابته، ورغم طباعة ما يقارب 50 نسخة، إلا أنها لم توزع على أحد، ولم تصل أيًا من دور النشر حتى".

تعقب بعدما غلبتها دموعها: "جاءت الحرب وقتلت حلمي بطريقة بشعة جداً".

كانت عائشة تحظى بنسخة واحدة من ديوانها، قبل أن يجبرها الجيش الإسرائيلي على النزوح من بيتها وترك كل شيء للنجاة بنفسها، دون أن تعلم أنها ستخسرها أيضًا. تخبرنا: "لم أعلم أن الجيش سيقصف المنزل وستُردم النسخة بين الركام ولن أجد لها أثرًا أبدًا".
لم تقتل الحرب شغف عائشة وقلمها الحر الذي أخذ على عاتقه تدوين كل أوجاع الغزيين بدءًا من النزوح تحت النار، وليس انتهاءً بشلال الدم الذي لا زال ينزف.
تروي: "أعمل الآن على كتابة ديوان جديد، يتحدث غزة والإبادة التي لم يشهد لها التاريخ مثيلًا، كذلك عن المرأة الفلسطينية في الحرب، والمعاناة التي تواجهها، ملفتةً إلى أنها أطلقت عليه اسمًا مناسبًا: "أنا الطوفان".

لكن كيف تكتبين، والاحتلال قصف ودمر كل ما تملكين؟ تجيب بإصرار: "على هاتفي الذي نجوت به. صحيح أنني فقدت حاسوبي الشخصي، وحتى جهازي اللوحي الخاص، ودفاتري وأقلامي كلها ضاعت بين الركام، لكنني أكتب".

على ركام البيوت المدمرة، وأثناء رحلات النزوح الشاقة، وفي عمق المجاعة، تخرج عائشة هاتفها المحمول وتكتب ما تعيشه وتشعر به، تعقب: "كتبت أكثر من 400 صفحة جميعها على الهاتف".

تصف لحظات كتابتها بالقول: "تفريغ نفسي، وعلاج داخلي ساعدني على الصمود في الشمال في أحلك الظروف".

وتحكي عن ديوانها الجديد بعنفوان: "يتحدث عن معاناة عام ونصف، وكيف كانت حياتنا وردية وانقلبت رأسًا على عقب"، حيث كانت مُحاضرة جامعية في جامعة الأزهر، والآن تعيش لاجئة في مركز إيواء مكتظٍ بالنازحين.

جرائم الاحتلال وخذلان العالم دفعا بعائشة للاستمرار في الكتابة، رغم الظروف المحيطة. تضيف: "الكتابة قبل الحرب كانت هواية، أما الآن فهي مسألة وجود وتحدٍ؛ نكتب لهدف واحد: إبراز حقيقة الاحتلال البشعة".