غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
"هل نحن في العيد حقًا؟ لم أكن لأشعر لولا أنك قمت بتذكيري.. عن أي عيدٍ تتحدثين ونحن تحت الإبادة؟ هل يمر العيد كما عرفناه حقًا خارج حدود هذه المدينة المنكوبة؟" تتساءل سعاد كحيل، وهي فلسطينية نزحت من بقايا منزلها المدمر في حي الشجاعية، شرقي مدينة غزة.
تسكن سعاد اليوم في خيمة وسط المدينة، وتعيش تعبًا لا ينقطع، جلست تسرد ذكريات منزلها الذي كانت رائحة الكعك تفوح منه، وتصدح من نوافذه أغاني العيد وتلبيات الحج.. قبل الحرب، "كعك العيد"، الذي عُرفت بصنعه لأسرتها وشقيقاتها كونها الأكثر مهارة بنظرهن.

تقول: "كان أطفالي يلبسون ثياب العيد بفرح. ملابس جديدة، لا مرقعة كما هو الحال الآن. كنت أقدم لهم الكعك والمعمول والشوكولاته، وأطبخ السماقية والفتة، لا خبز العدس الذي جفّت بطوننا من تناوله".
بكت سعاد بينما أطفالها يراقبونها، يحاولون التخفيف عنها بالقول "إن الحرب مصيرها أن تنتهي"، تطبطب عليهم وتعود لتتساءل: "أما زال العيد كما عرفناه فعلًا؟ يا ترى رح نرجع نعيش بعيد تاني بعد الإبادة؟".
وفي خيمة مقابلة، يخبرنا داوود حسين أنه يشعر بالغصة والقهر كلما تذكر عيد غزة قبل الحرب، فخيمة نزوحه تتواجد بشارع عمر المختار بحي الرمال، الذي يُعرف بأنه كان الأكثر حيوية بفترة الأعياد، لكنه اليوم صار مسرحًا للقتل والدم الذي يتطاير على الخيام وملابس الناس المنشورة.
يتابع: "أتجول بالأسواق لعلّي أجد شيئًا يؤكل"، وفي مخيلته غزة المدهشة بزينتها ومنتجاتها الزراعية والصناعية والأسعار المقبولة، كان الغني بها يفرح وكذلك الفقير الذي لم يحرم من الخبز يومًا ولا الخضراوات مهما ساءت أحواله المادية".
قبل الحرب كانت شوارع غزة تكتظ بملامح الدهشة. قبل العيد بأيام، يبدأ الشباب مبادرات لتنظيف الشوارع، تمتد إلى تزيين الحارات، بينما تملأ بسطات الألعاب وملابس الأطفال الأسواق، فيما تعرض المحال التجارية منتجاتها المتنوعة لجميع أصناف الحلويات والمسليات وحتى الأدوات المنزلية لاستقبال المعيدين.
قبل الأضحى بأيام، كانت أسواق الحلال تنتشر على طول محافظات القطاع الخمسة، في غزة والنصيرات وفي دير البلح وخانيونس ورفح. يتسابق الناس على حجز المواشي، ويوم العيد على توزيعها للعائلات المستورة والأقارب والجيران. تنتشر روائح اللحوم المشوية والفتة الغزاوية في كل الشوارع، يرتدي الأطفال أحلى الملابس على بساطتها، ويأكلون الشاورما كأبرز طقوس الاحتفالات لديهم.
بعد الحرب، لا يدرك الكثير من الناس فعلًا أن عيد الأضحى حل. لم يعد لديهم منازل لتنظيفها، أطنان الركام تملأ المدينة وسماؤها باتت ملغمة بالطائرات التي تلاحقهم في كل آن، فتحصد أرواحهم على مد ار الساعة.

يتسابقون في الهرب من الموت، إلى الموت أيضًا! فلم يعد في القطاع مكان آمن تحت ضربات الصواريخ وقذائف المدفعيات، تفرقت العائلات، وصارت غزة توسم في نشرات الأخبار وكل المناشدات "غزة الجائعة"، وهي الكريمة التي أعدم الاحتلال فيها كل محاولات العيش.
دمّر الأرض ويقتل كل من يحاول أن يزرعها، قصف المستشفيات ويمنع الدواء، وأما الغذاء، فإن الحصول عليه صار "حياة إنسان" حيث قتل أكثر من 100 فلسطيني وجرح المئات في غضون أسبوع واحد، وهم يحاولون الحصول على الطعام من مراكز المساعدات الأمريكية في جنوبي ووسط القطاع.
يعلّق أحد الأطفال لكاميرا ناشط سأله عن العيد: "سرقت الحرب بهجتنا به، سرقت العيد نفسه، عيدنا يوم نأكل الخبز واللحم ونعود لمنزلنا حتى وإن كان مدمرًا، يوم أعود لمدرستي، ما دون ذلك عبث، عن أي عيد تتحدثون".
يبدو الطفل في الـ12 من عمره، يتحدث وكأنه في العشرينات من العمر، كأنه حصل على بكالوريوس في الحزن والشقاء، جرّب كل أنواع العمل لمساعدة عائلته، في جمع الحطب وإشعال النار وغسل الثياب والبحث عن الطحين ونقل المياه والوقوف أمام التكية، بالإضافة إلى رحلات النزوح المتكررة من منطقة لأخرى بحثًا عن الأمان، عن أي عيد نتحدث بغزة؟ سؤال يستحق الوقوف عنده.
