غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
في زمن الجوع تحت الإبادة، سجّل أحدهم مقطع فيديو لسيدة فلسطينية، انهارت وهي تحاول جمع حبات الأرز من الأرض لأجل أطفالها الجائعين، جلست على ركبتيها وأخذت تلتقطها بينما تلوّث الأرز واختلط بالرمال ورماد المنازل التي تقصفها طائرات الاحتلال الإسرائيلي، منذ عام وثمانية أشهر على التوالي.
ضجّت مواقع التواصل بالمقطع الذي لاقى انتشارًا واسعًا، بكت فيه السيدة قبل أن تحمل كل ما جمعته وتضربه بالأرض مجددًا وهي تصرخ لشدة شعورها بالإهانة و"الذل".. لكن من هي السيدة؟
اسمها غادة قديح، أم لخمسة من الأبناء والبنات، بينهم واحد من ذوي الإعاقة، أكثر ما يؤلمها ويكسر قلبها جوعه، تحديدًا في كل يوم يستيقظ فيطلب منها "خبزة"، وإن كانت فارغة من دون شيء.
في الحادي والثلاثين من مايو/ أيار لعام 2025م، انطلقت غادة فجرًا مع جموع الناس لتنتظر شاحنات المساعدات علها تحصل على شيء، خيّل لها العودة بكيس من الطحين، احتارت كيف ستحمله، على كتفها أم على ظهرها؟ لم تكن آلامها تهمها، رسمت صورةً في مخيلتها لسعادة أطفالها، شاهدتهم يضحكون ويهللون فرحًا بالطحين! لكن الواقع كان صدمة.
لم تحظ بأي كيلو حتى، وصلت المكان منهكة بين آلاف الحشود من الجائعين الذين توجهوا إلى المنطقة، وهناك من يستطيع انتزاع أي صنف من أصناف الغذاء فهو محظوظ! الانتصار اليوم أن تحصل على الغذاء في عزّ الجوع الذي يضرب غزة نتيجة تشديد حصارها من قبل الاحتلال الإسرائيلي.
تخبرنا غادة، أنها لا تملك المال من أجل الشراء بمبالغ خيالية وصلت إلى 15 ضعف السعر الطبيعي للكيلو الواحد من الدقيق. توسلت كثيرًا لعاملين في جمعيات خيرية، لتجار ولأناس عاديين لعلّ أحدهم يساعدها، لكن بكل أسف، الكل جائع تحت المقتلة.
وفي لحظة انهيارها التي تعد الأسوأ بمحطات حياتها تحت الحرب، تحكي أنها وجدت الأرز على الأرض وقد اختلط مع الرمل، فأخذت تجمعه بيديها المتشققتين إثر مهام العيش، لم تكمل حتى صارت تصرخ معاتبة "العرب" المتفرجين على هلاك الناس.
"أعرف أن ذهابي إلى منطقة دخول المساعدات مخاطرة، لكنني لم أكن أخشى الموت بقدر خوفي على أطفالي من الموت جوعًا".
تتحدث عن طفلها: "ابني المريض يستيقظ من النوم ليبحث عن الخبز، أعرف أن ذهابي إلى منطقة دخول المساعدات مخاطرة، لكنني لم أكن أخشى الموت بقدر خوفي على أطفالي من الموت جوعًا".
تسكن غادة في إحدى مدارس الإيواء، بعدما نزحت عشرات المرات تحت القصف ونيران الطائرات الإسرائيلية. لقد تغيّر مفهوم الحياة لديها تحت مطحنةٍ امتهنت الكرامة الإنسانية، وصار الذل فيها عنوانًا للغزّي المسحوق في "أكبر سجن بالعالم" اسمه غزة.
