غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
داخل خيمتها في منطقة المواصي غربي مدينة خانيونس جنوبي قطاع غزة، جلَسَت بسمة (38 عامًا) -التي طلبت عدم ذكر اسم عائلتها- بصمت، تحدق في أطفالها بعيون غارقة بالدموع، كما لو أنها تودعهم الوداع الأخير. لقد تم تشخيص إصابتها بسرطان الثدي في المرحلة الرابعة.
قالت بسمة: "اكتشفتُ إصابتي بسرطان الثدي في أغسطس 2023م، أي قبل اندلاع الحرب بشهرين فقط، كان ذلك متأخرًا وبالصدفة البحتة، عندما تحسستُ انتفاخًا أسفل الثدي مع تغيير في لون الجلد، لقد صُدمت حينها وشعرتُ أن هناك أمرًا خطيرًا ألمّ بي".
وأضافت: "أخبرني الأطباء حينها أن لدي فرصة للشفاء إذا سافرت للعلاج في الخارج، وإلا فلن أعيش أكثر من عامين". كانت بسمة تستعد للسفر إلى مصر لتلقي العلاج، لكن الحرب التي اندلعت في السابع من تشرين أول/ أكتوبر 2023م، أجبرت عائلتها على الفرار من منزلهم في مدينة غزة نحو الجنوب بحثًا عن الأمان والمأوى.
قالت: "منذ بدء الحرب، أصبح أطفالي هم أولويتي. كنا ننتقل من مكان إلى آخر هربًا من القصف أو بحثًا عن مكان أكثر أمانًا.. كنت خائفة أن أتركهم خلفي، وحدهم، يواجهون الموت والنزوح".
ما زالت بسمة تتشبث بالأمل في أن تعيد "إسرائيل" فتح المعابر حتى تتمكن من السفر للعلاج. "كل يوم يمر دون أن يحدث ذلك يقربني من الموت".
في مرحلة ما من الحرب، اشتد الألم على بسمة، فقررت السفر إلى مصر لتلقي العلاج، وترك أطفالها في غزة مع والدهم. لكن بعد أيام قليلة من اتخاذ هذا القرار، أغلق الجيش الإسرائيلي معبر رفح في مايو 2024م.
قالت: "ذلك الإغلاق كان نهاية الأمل بالنسبة لي. كان بمثابة حكم بالإعدام".
ومع تقدير الأطباء أنها قد لا تعيش لأكثر من شهور قليلة، ما زالت بسمة تتشبث بالأمل في أن تعيد "إسرائيل" فتح المعابر حتى تتمكن من السفر للعلاج. "كل يوم يمر دون أن يحدث ذلك يقربني من الموت"، قالت وهي تبكي "لا أعلم كيف سيعيش أطفالي الثلاثة من بعدي".
صراع مع الألم والفقدان
على فرشة إسفنجية رقيقة داخل منزله المدمر جزئيًا بفعل الغارات الإسرائيلية في حي النصر غربي مدينة غزة، يرقد جمال الهوبي (62 عامًا) بلا حراك.
تبدو ملامحه منهكة، عيناه غائرتان من السهر والوجع، وصدره يعلو ويهبط بصعوبة بينما يحاول أن يلفظ أنفاسه. لقد تسلّل سرطان الأمعاء الغليظة إلى جسده بصمت، مستغلًا حربًا تمنع عنه الدواء والغذاء والرعاية.
"في مارس 2024م بدأت أشعر بألمٍ غريبٍ في بطني، مغص دائم، ثم صار النزف لا يتوقف"، يهمس جمال بصوت بالكاد يُسمع. "ظننتُ أني أعاني من إرهاق فقط، لكن الألم ازداد، وبدأت أفقد الوزن بسرعة مرعبة".
يشير إلى إنه يشعر طوال الوقت بثقل في بطنه، وإمساك مزمن، وأحيانًا يعاني إسهالًا دمويًا، وآلام حادة تشلّ حركته تمامًا، ويزيد: "أحيانًا أحس كأن خنجرًا يتحرّك في أمعائي.. لا أستطيع النوم على جنبي، ولا حتى الجلوس أكثر من دقائق.. أشعر أن بطني تشتعل".
"لم أتوقع أن التشخيص سيكون بهذا السوء، لقد أخبرني الأطباء أنني مريض بسرطان الأمعاء الذي وصل إلى الكبد".
ذهب الهوبي في ذلك الوقت إلى مستشفى غزة الأوروبي في مدينة رفح، الذي دمره الاحتلال لاحقًا خلال اجتياح المدينة، وبعد سلسلة من الفحوصات كانت النتيجة كما لم يكن يتوقع: "لم أتوقع أن التشخيص سيكون بهذا السوء، لقد أخبرني الأطباء أنني مريض بسرطان الأمعاء الذي وصل إلى الكبد".
يشعر الهوبي بوحدة كبيرة بعد وفاة زوجته قبل نحو عام "عندما ماتت، أحسست أنني فقدت آخر سند لي في هذه الحياة".
تقول كنّته التي ترعاه: "لم نعد نعرف هل الألم من المرض؟ أم من القصف؟ أم من الجوع؟ أحيانًا يصرخ في الليل من الوجع، وأحيانا يبكي بصمت حتى لا يسمعه أحفاده".
وتضيف: "لم يأكل فاكهة منذ شهور، حتى الماء النظيف لا نحصل عليه بسهولة. يأكل مرة واحدة في اليوم، ولا يجد مسكنًا يُخفف ألمه".
في ظل غياب العلاج، وندرة الغذاء، وانعدام الرعاية الطبية، يواجه الهوبي السرطان بلا مسكنات، بلا أمل، سوى عزيمته وحنان حفيدته.
تدمير المستشفى الوحيد
في طابور للحصول على مياه الشرب في أحد مخيمات النزوح غربي مدينة غزة، شاركت رنا الفيراني (37 عامًا)، وهي أم لأربعة أطفال، قصتها في مقاومة سرطان الثدي.
قالت الفيراني: "شُخّصت حالتي قبل ثلاث سنوات. كانت صدمة، لكني قررت السفر إلى مصر للعلاج". وبعد شهور من العلاج الإشعاعي المرهق، تعافَت وعادَت إلى منزلها وأطفالها.
لكن مع اندلاع الحرب في مركز الإيواء، وسط الرمال والغبار والجوع والغارات الجوية المتواصلة، عاد المرض من جديد. قالت: "بدأتُ أشعرُ بألمٍ شديدٍ في صدري قبل عدة أشهر. علمتُ أنه عاد (..) لكن إلى أين أذهب؟ المستشفى الوحيد الذي كان يعالجنا تم تدميره والمعابر مغلقة".
حاولت الفيراني الحصول على أدويتها من خارج غزة، لكن جميع محاولاتها باءت بالفشل. فمنذ الثاني من آذار/ مارس 2025م، يمنع الجيش الإسرائيلي إدخال الأدوية والغذاء والمساعدات إلى غزة.
حاولت الفيراني العثور على الدواء في الصيدليات المحلية لإبطاء انتشار المرض، لكنها لم تنجح.
كما حاولت الحصول على أدويتها من خارج غزة، لكن جميع محاولاتها باءت بالفشل. فمنذ الثاني من آذار/ مارس 2025م، يمنع الجيش الإسرائيلي إدخال الأدوية والغذاء والمساعدات إلى غزة.
قالت: "لا أملك أي دواء، حتى المسكنات! الألم يزداد كل يوم"، ومسحت دمعة عن خدها قبل أن تضيف: "السرطان قاسٍ، لكن ما يؤلمني أكثر أنني لا أستطيع العودة إلى مصر للعلاج كما فعلت من قبل".
مصير مجهول
كانت غزة تضم مستشفى واحدًا فقط متخصصًا في علاج السرطان، وهو مستشفى الصداقة التركي الفلسطيني، الممول من تركيا. في مارس/آذار 2025م، دمره الجيش الإسرائيلي بالكامل، محولًا إياه إلى أنقاض، قاضيًا على آمال آلاف المرضى.
ويقول الدكتور صبحي سكيك، المدير العام للمستشفى، إن تدميره "ترك مرضى السرطان يواجهون مصيرًا مجهولًا دون أي رعاية طبية".
وأضاف: "مرضى السرطان يعيشون الحرب في غزة وهم يواجهون مصيرًا غامضًا"، مؤكدًا أن مرضى السرطان "يخوضون حروبًا متعددة، أهمها الهرب من الغارات الجوية، ومواجهة النزوح المتكرر، والبحث عن الدواء، ومقاومة سوء التغذية الحاد الذي يصل إلى مستوى المجاعة".

وأشار سكيك إلى أن مرضى السرطان في مراكز الإيواء يعيشون في ظروف قاسية، يفتقرون لأبسط الخدمات الصحية والنظافة، ويتعرضون للأمراض المعدية بسبب تلوث المياه وتراكم النفايات: "هذه الظروف تُضعف مناعتهم أكثر، مما يزيد من خطر تعرضهم لمضاعفات خطيرة أو الوفاة".
وأوضح أن غزة تحتاج إلى ما لا يقل عن 50 طبيب أورام، بينما يوجد فيها حاليًا 10 فقط، وقد قُتِل اثنان منهم في الغارات الإسرائيلية خلال الحرب.
وكانت وزارة الصحة في قطاع غزة، أعلنت في بيان لها صدر في 20 مايو/ آيار 2025م، عن توقف خدمة العلاج الكيماوي الوريدي والمتابعة الطبية لمرضى السرطان، نتيجة استمرار العدوان الإسرائيلي وتداعياته المباشرة على النظام الصحي، مما فاقم من حدة الوضع الكارثي الذي يعيشه المرضى في القطاع المحاصر.
وأوضحت الوزارة، أن مستشفى غزة الأوروبي، أحد أكبر المرافق الطبية في القطاع، والذي كان يهتم بمرضى السرطان، خرج عن الخدمة بشكل كامل في 15 مايو/ آيار 2025م، جراء أضرار جسيمة لحقت به نتيجة الاستهدافات العسكرية المتكررة، ما زاد من تفاقم الأزمة، وترك آلاف المرضى بدون مأوى علاجي أو متابعة طبية مناسبة.
"64% من أدوية السرطان وصلت أرصدتها إلى صفر، أي أنها غير متوفرة تمامًا في مخازن الوزارة، ما يجعل استمرارية أي بروتوكولات علاجية شبه مستحيلة، ويعرّض حياة المرضى للخطر الفوري".
وأشارت إلى أن 64% من أدوية السرطان وصلت أرصدتها إلى صفر، أي أنها غير متوفرة تمامًا في مخازن الوزارة، ما يجعل استمرارية أي بروتوكولات علاجية شبه مستحيلة، ويعرّض حياة المرضى للخطر الفوري.
وناشدت الوزارة في غزة كافة الجهات الدولية والحقوقية والإنسانية للتحرك العاجل والضغط على الاحتلال الإسرائيلي من أجل تمكين المرضى من السفر للعلاج خارج القطاع، وضمان إدخال الأدوية والمستلزمات الطبية الضرورية لهم دون تأخير.
11 ألف مريض بغزة
قبل اندلاع الحرب على غزة كان هناك نحو 13 ألف مريض سرطان في القطاع، وخلال الحرب سافر منهم فقط ألفان للعلاج في الخارج. أما قرابة 5 آلاف آخرين، فلا يزالون يملكون تحويلات علاج صادرة من وزارة الصحة أو منظمات دولية، إلا أن إغلاق الاحتلال المتواصل لمعبر رفح، يحول دون سفرهم لتلقي العلاج اللازم- بحسب ما أفاد به الطبيب محمد أبو ندى، المدير الطبي لمركز غزة للأورام.
وأشار إلى أن ما يقارب 11 ألف مريض لا يزالون يعانون بشكل يفوق الوصف؛ للحصول على الرعاية الصحية داخل غزة، في ظل أوضاع اقتصادية خانقة تعجز فيها الغالبية عن دفع تكاليف المواصلات إلى المراكز والنقاط الطبية، لا سيما مع استمرار استهداف المستشفيات ومراكز الأورام، واضطرار الكوادر الطبية إلى تغيير أماكن تقديم الخدمة بشكل متكرر.

وكشف أبو ندى أن معدل الإصابات الجديدة بالسرطان في غزة يتراوح شهريًا بين 200 و250 حالة. ووفق هذا المعدل، يُفترض أن نحو 3 آلاف حالة جديدة ظهرت خلال الأشهر الـ18 من الحرب، لكن كثيرًا منها لم يُسجّل بسبب غياب التشخيص نتيجة انهيار البنية التحتية للمختبرات.
ويضيف: "قبل الحرب، كنا نسجل حالتَي وفاة يوميًا بسبب السرطان، ما يعني أن أكثر من 1200 مريض فارقوا الحياة خلال الحرب، دون أن يحصلوا على الرعاية الملائمة".
ويلخص أبو ندى معاناة مرضى السرطان في غزة بثلاث كوارث متداخلة، وهي غياب التشخيص نتيجة تدمير مختبرات الأنسجة، وعدم توفر سلسلة علاج مكتملة مما يؤدي إلى ضعف فعالية العلاج، وانعدام العلاج الإشعاعي الذي يعد عنصرًا أساسيًا في علاج ثلثي الحالات تقريبًا.
وناشد المؤسسات الدولية بالتدخل العاجل لتسهيل سفر المرضى "مرضى السرطان في غزة يموتون أمام أعيننا، ونحن عاجزون عن إنقاذهم. تأخير العلاج يعني أن المرض ينتشر أكثر في أجسادهم، وكل لحظة تمضي تُقربهم من الموت".
"وقف الحرب فورًا"
ودعا وائل بعلوشة، مدير المكتب الإقليمي للائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة "أمان" بغزة، إلى وقفٍ فوريٍ للحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، مؤكدًا أن استمرار العدوان يفاقم الكارثة الصحية ويحول المرضى والجرحى إلى رهائن للابتزاز السياسي.
ويضيف: "الوضع الصحي في غزة ينهار بشكل غير مسبوق، واستخدام الاحتلال للملف الصحي كورقة ضغط سياسية أمر لا إنساني ولا قانوني"، مطالبًا بضرورة الضغط الدولي على سلطات الاحتلال لإدخال كافة المستلزمات الطبية دون تأخير.
وأشار إلى أن آلاف الجرحى والمرضى في القطاع باتوا بحاجة ماسة للخروج من غزة لتلقي العلاج، في ظل تدمير المستشفيات ونفاد الأدوية الأساسية، داعيًا إلى "بذل ما يلزم من جهود ضاغطة لإخراج الجرحى والمرضى للعلاج بالخارج، وإنقاذ أرواحهم قبل فوات الأوان".
"نطالب بوضع ما يلزم من ضمانات لتقديم العلاج بشكل إنساني وعادل لجميع المرضى، فهذا التزام محلي ودولي وعلى جميع الأطراف ذات العلاقة أن تفي به".
وشدد بعلوشة على أهمية تحسين التنسيق بين دائرة العلاج بالخارج والمؤسسات الصحية المحلية ومنظمة الصحة العالمية، لضمان تقديم خدمة علاجية محترمة وآمنة، قائلاً: "نطالب بوضع ما يلزم من ضمانات لتقديم العلاج بشكل إنساني وعادل لجميع المرضى، فهذا التزام محلي ودولي وعلى جميع الأطراف ذات العلاقة أن تفي به".
وأضاف: "المرضى ليسوا طرفًا في النزاع، ويجب تحييدهم عن الصراعات السياسية والعسكرية. من حق كل إنسان أن يتلقى الرعاية الصحية الكاملة دون تمييز أو تأخير".
