غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
بعد صلاة الصبح، لا تعود أم محمود الصفطاوي إلى نومها. تنصت بهدوء للأصوات خارج خيمتها، وتحدث نفسها: "لعل أحدهم يحاول إيقاد الحطب، وينجح، فأستدين منه شعلة".
السيدة التي نزحت منذ بداية الحرب من منطقة المشروع بمخيم جباليا شمالي قطاع غزة، وتسكن في خيمة بمخيم النخيل غربي مدينة دير البلح حاليًا، تعيش حرفيًا "ماراثونًا" يوميًا لإشعال نار الحطب، "عدد المرات التي أفشل فيها أكبر بكثير من عدد الناجحة" تقول لـ"نوى".
منذ أشهر لم تستطع أم محمود اقتناء قداحة، ولهذا تضطر إلى استلاف "شعلة" من جيرانها كل مرة، بعد أن ينجحوا بإيقاد النار.
منذ أشهر لم تستطع أم محمود اقتناء قداحة، فهي غير متوفرة في الأسواق، وما كان لديها تعرض لأعطالٍ كثيرة، ولإصلاح أكثر من مرة دون جدوى، ولهذا تضطر إلى استلاف "شعلة" من جيرانها كل مرة، بعد أن ينجحوا بإيقاد النار.
وتقول بحرقة: "لم أتخيل أنني سأعيش هذه الظروف في حياتي"، وتضيف: "بمجرد أن أجد أحدًا يقدم لي شعلة، أضطر للمشي بها بشكل دقيق وحذر كي لا تنطفئ مني، إذا انطفأت، أخجل من العودة والطلب من جديد، وبرغم أنها زاوية صغيرة ضمن صنوف المعاناة المرة التي نعيشها بغزة، إلا أنها مؤرقة ومؤلمة حد البكاء".
تضع أم محمود مع قطع الأخشاب الصغيرة التي تشتريها بثمن باهظ، بعض قطع النايلون والبلاستيك والقماش، وكل ما يمكن حرقه، لتسريع عملية إشعال النار، "وبعيدًا عن أن النار تشتعل، نعيش لحظات من الموت خنقًا.. رائحة البلاستيك المحروق تدمي أعيننا وتكتم أنفاسنا"، متابعةً بنبرة يأس: "تخيلوا أن هذا يحدث مع كل مرة أريد فيها إشعال النار، سواء لإعداد الطعام أو لتسخين الماء".
بنفس المعاناة، تعيش رمزيه مصبح، التي نزحت من شمالي غزة إلى إحدى مدارس "أونروا" غربي مدينة دير البلح.
تقول: "لإشعال موقد النار قصة، نفكر فيها طوال الليل، لقد اضطررت أكثر من مرة إلى إلغاء صنع الطعام، والاكتفاء بطعام التكية -هذا إن وجد- أو أكل المعلبات باردة بدون أي تسخين، لعدم قدرتي على إشعال النار أو عدم وجود مواد الإشعال".
وتضيف: "نقضي أحيانًا الليل بطوله في محاولة إيجاد حلول، لكن حل شراء قداحة جديدة مستحيل فسعرها صار في الأسواق مرعبًا".
تتحايل رمزية أحيانًا على الوضع، فتضطر إلى تجميع بواقي النار والفحم، ووضعه فوق بعضه، وفي الصباح تحركها فتجد أسفل منها شعلة تستغلها لإشعال النار.
ورغم عودة أم يوسف أبو طوق (٣٢ عامًا)، إلى شمالي قطاع غزة، بعد نزوحٍ دام أكثر من 15 شهرًا، إلا أنها ما زالت تبحث عمن يشعل النار لتحصل منه على شعلة.
تقول: "الوضع في الشمال أصعب مما كان عليه في مكان نزوحي في المنطقة الوسطى. أولادي يتجولون يوميًا في الشوارع لجمع الحطب والكراتين الورقية، يبيعون أجزاء منه للنازحين، ويحتفظون بما تبقى لطهي الطعام، مع انعدام الوقود وغاز الطهي وغلاء ثمن الحطب".
نتيجة المعاناة في إشعال موقد النار داخل أغلب مخيمات النازحين، ظهرت مهنة مستحدثة خلال الحرب وهي تصليح القداحات.
وتتحدث أم يوسف، عن إصابتها وعائلتها بمشاكل صحية وتنفسية صعبة، نتيجة اعتماد كل النازحين في الخيام قربها على الحطب لإعداد طعامهم وتسيير أمور حياتهم، "ومع الأضرار التي يلحقها الحطب بنا، إلا أن غيابه يعدُّ مشكلة حقيقية اليوم".
ونتيجة هذه المعاناة في إشعال موقد النار داخل أغلب مخيمات النازحين، ظهرت مهنة مستحدثة خلال الحرب وهي تصليح القداحات.
بلال عرفات، أحد العاملين في هذه "المصلحة"، يقول لـ"نوى": "ارتفع ثمن الولاعات خصوصًا بعد منع دخول أي إمدادات للقطاع من كل الاحتياجات. كانت الواحدة تباع بحوالي شيقل واحد قبل الحرب، لكن سعرها الآن قد يصل لـ 30".
وتابع: "استخدام القداحات بغير الاحتياج الذي صممت لأجله يعدمها. أحاول إصلاحها قدر المستطاع عبر استخدام قطع غيار من ولاعات أخرى مفقود فيها الأمل"، مبينًا أن الأمر غاية في الصعوبة، وأنه أخفق أكثر من مرة في تصليح بعضها، "فأنا من علمت نفسي هذه المهنة، ولو سمعت قبل الحرب عن شخص يصلح الولاعات لضحكت عليه".
