غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
"مشهدٌ صادم".. كلمتان تمهّدان عادةً لاستقبال حدث معيّن، فيه مشاهد على الأغلب مروّعة، لكن هاتين الكلمتين لا تكفيان وحدهما للتعبير عن مشهد أمٍ تعمل طبيبةً في مستشفى ضعيف الإمكانيات، استقبلت أطفالها كلهم دفعةً واحدة.. جثثًا هامدة!
يُقال "إن قصة الطبيبة الفلسطينية آلاء النجّار هزّت العالم. حرّكت إنسانيته وتعاطفه"، وفي الحقيقة أن هذا ربّما لا يعنيها، بقدر ما أنها صارت يتيمة دون أطفالها التسعة: "يحيى، وراكان، ورسلان، وجبران، وإيف، ولقمان سدين، وريفال، وأصغرهم سيدرا بعمر الستة أشهر".
كانت آلاء ودّعت أطفالها، وجهّزت طعامهم من العدم في زمنٍ عزّ فيه جراء الحصار الإسرائيلي تحت الإبادة. قبّلت سيدرا وعانقت ريفال ولقمان، أوصت يحيى بإخوته وداعبت رسلان وجبران ولقمان، وكان راكان قد انتزع حصّة مضاعفة، هذا كان المشهد الأخير قبل انطلاقها إلى عملها في مستشفى ناصر الطبي بخانيونس.

في الـ24 من مايو/ أيار لعام 2025م، قلبت "إسرائيل" حياة آلاء رأسًا على عقب، عندما استهدفت منزلها في منطقة قيزان النجار بخانيونس جنوبي قطاع غزة. تسببت الغارة في تدمير المنزل بالكامل واحتراقه، ما أدى إلى استشهاد الأطفال التسعة جميعًا، فيما أصيب ابنها العاشر "آدم" بجراحٍ خطرة، نُقل مع والده الدكتور حمدي النجار إلى إثرها إلى المستشفى الذي تعمل فيه أمه.
وبينما كانت الطبيبة آلاء تعالج أطفالًا آخرين، كانت جثامين أطفالها تُنقل إلى المشرحة، قابلتهم بهدوء وفق ما وصف زملاؤها اللحظة، بدت متماسكة، كانت ردة فعلها هادئة، تتفحّص الجثامين وتحاول كبت مشاعرها، رفضت الحديث إلى وسائل الإعلام، لم يقو قلبها على التحدث في كارثة عظيمة تهدّ جبالًا من ثقلها.
أخذت آلاء تحتضن الأكفان، تطبطب على قلوب من فيها وتحكي عن أمنياتها التي كانت تخبئها لهم بأن يصبحوا أطباء كوالديهم.
ووفق ما قالت شقيقتها آيات في تصريحات صحفية، فإن الطبيبة كانت تذهب سيرًا على الأقدام إلى مشفى ناصر الطبي، أو يوصلها زوجها، وهي طبيبة أطفال اختارت تخصصها لشدة حبها وتعلقها بهم.
وكانت آلاء قد افتتحت مع زوجها طبيب الباطنة حمدي النجار عيادة طبية لتقديم الخدمة في منطقة قيزان النجار، أطلقوا عليه اسم مجمع اليحيى الطبي، وهو اسم طفلهما الأكبر، كما حملت الأقسام الداخلية فيه أسماء أطفالهما، فالصيدلية تحمل اسم إيف ومختبر التحاليل يحمل جبران، ويضم المجمع أقسام متابعة حمل وقسم أسنان، وكان النقطة الطبية الوحيدة بالمنطقة التي يتوافد عليها الأهالي، وكان يقدم رعاية صحية لعدد كبير من المرضى.
ملامح الأطفال تبدلت، لا فرصة لطبع صورة أبدية تُحفظ في سجلّ القلب، وجوههم كلهم محترقة من شدة فظاعة صواريخ الاحتلال. أخذت آلاء تحتضن الأكفان، تطبطب على قلوب من فيها وتحكي عن أمنياتها التي كانت تخبئها لهم بأن يصبحوا أطباء كوالديهم، أن يدرسوا تخصصًا ينفعون فيه بلادهم التي تسعى "إسرائيل" لدفنها ودفن كل فرص العيش فيها.
صارت آلاء النجار "رمزًا" في عين العالم الذي استحوذ على دور الإشادة والتصفيق لصمود الأهالي الفاقدين تحت هذه المقتلة، تكمل عملها وتهتم بآدم الذي ربّما لا تجد له طعامًا مناسبًا يساعده على النهوض بنفسه ولا أدوية كافية لتلقي العلاج، على عين العالم ذاته أيضًا، الذي لا يزال يصفق ويردد اسمها.
