غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
أمام باب خيمتها، تحاول عبير فوجو، النازحة من مدينة رفح، إلى مدينة خانيونس، جنوبي قطاع غزة، إشعال النار بما جمعته من نايلون المخلفات الطبية، التي حصلت عليها من مستشفى ميداني قريب.
تطهو السيدة ببقايا الخبز الناشف حساء العدس لمن تبقى حيًا من أطفالها السبعة، الذين ربتهم وحدها بعد هجران زوجها لها، متجاهلةً المخاطر الصحية المترتبة على حرق تلك المخلفات.
وتقول لـ"نوى": "لا بدائل متاحة. التكيات أغلقت بعد أن قصف عدد منها، ولا أستطيع شراء الحطب لإشعال النار، هذا هو الخيار الوحيد أمامي".
فقدت عبير اثنين من أبنائها تباعًا خلال "الإبادة"، وعانت ويلات فقدهما وقد كانا السند بعد هجران زوجها لها وخذلانه.
بعد أن ابتلعت عبير غصة هجران زوجها، اندلعت شرارة الحرب، لتزيد لظى معاناتها اشتعالًا، حين خطفت منها ابنها الأكبر هيثم، في قصف إسرائيلي طال أحد البيوت خلال مروره بالجوار، حيث كان يسعى لتأمين بعض الدقيق لأمه وأخوته.
لم تتخيل عبير، أن ما ينتظرها بعد هذا الوجع أقوى وأصعب. بعد نزوحها من رفح إلى قيزان أبو رشوان في مدينة خان يونس، استيقظت العائلة على صوت "كواد كابتر" ظهرت في سماء المكان فجأة، وبدأت تطلق رصاصها بغزارة وعشوائية، فأصيب ابنها الثاني "سعد" برصاصة في الكبد، لتضطر إلى البقاء معه في المشفى تحت وطأة الجوع والقصف والعوز، بعد أن خسرت جميع أغراضها ومتعلقاتها بفرارها من هجوم "الكواد كابتر".
وفي اللحظة الذي بدأ فيها سعد يتماثل للشفاء، وصله خبر استشهاد اثنين من أبناء عمه في رفح خلال محاولتهم العودة لجلب بعض الحاجيات من بيتهم هناك.
تخبرنا: "سمع أن جثثهم بقيت في المكان ولم يستطع أحد انتشالهم، فهب بفطرته إلى هناك بعد أن أوهمني أنه سيزور البحر".
تروي السيدة بقهر وغصة، كيف صفعتها شقيقتها بخبر استشهاده في رفح، خلال محاولته الوصول إلى جثمانَي ابنَي عمه، وتقول: "انهرت في مكاني دون وعي".
"بقينا نحاول لساعات الوصول إليه ولكن دون جدوى، فقد كانت طائرات الكواد كابتر تطلق النار على كل من يقترب من المكان".
وتضيف: "بقينا نحاول لساعات الوصول إليه ولكن دون جدوى، فقد كانت طائرات الكواد كابتر تطلق النار على كل من يقترب من المكان، وبينما أنا سجينة عجزي وقلة حيلتي، بقيت لمدة أسبوع أبيت في الشارع عند منطقة كف ميراج على مشارف رفح، أنتظر أي أحد ينجح في الوصول إلى جثمان ابني عبثًا".
ثمانية شهور لم تستطع عبير خلالها الوصول إلى ما تبقى من رفاته، عاشتها بين أسى وحزن وبكاء، ورسائل تبعثها على قبر شقيقه الشهيد تطلب منه إيصال السلام إلى سعد.
تضيف: "كنت كلما وصلت شاحنة من الجثث أهرع إلى مستشفى ناصر علي أجد ما يدل على رفاة ابني بينهم، وذات يوم أشار علي أحد العاملين في المشرحة للذهاب إلى الأرشيف، فإن مسعفًا استطاع الوصول إلى مكان استشهاد ابنك قبل مدة، وربما تجدين عندهم ما يطمئن قلبك".
"أردت احتضان عظامه، لقد عرفت أشكالًا كثيرة للحرمان طوال حياتي، لكن ما حدث معي وقتها كأن أقسى أنواع الحرمان التي يمكن أن يعانيها بشر".
وبعد سؤالها في الأرشيف، أخبروها أن لديهم بعض متعلقات وملابس شهداء مجهولي الهوية استطاعوا انتشالها من تلك المنطقة ودفنوها في قبر جماعي بعد صعوبة الاستدلال على هويتهم، كونهم وصلوا عبارة عن بقايا عظام، وعند فحصها للملابس استدلت على قطع مما كان يرتديه سعد.
ولم يخطر على بال فوجو أن القادم أسوأ! فما أن استدلت على ملابس ابنها حتى اجتاحتها نوبة بكاء، وتوسلت لمن كان حولها أن يصطحبها إلى قبره. تتابع: "أردت احتضان عظامه، لقد عرفت أشكالًا كثيرة للحرمان طوال حياتي، لكن ما حدث معي وقتها كأن أقسى أنواع الحرمان التي يمكن أن يعانيها بشر".
على سهولة الأمر ظاهريًا، بدت المهمة مستحيلةً أمام الأم الثكلى. ابنها المدفون في قبرٍ جماعي، لا يمكن معرفة مكانه نتيجة تعدد القبور، وكثرة حالات الدفن المشابهة في تلك الفترة.. لقد حرمت السيدة من مجرد الوقوف على قبره، وهو الذي قبل استشهاده بيومٍ واحد وعدها بأنه سيكبُر ويريحها من كل الشقاء الذي عاشته.
تخبرنا: "طلب مني التوقف عن الذهاب إلى مكبات النفايات لجمع بقايا الطعام والنايلون لإشعال النار (..) كان يؤلمه حالنا وكان يرغب في أن يغيره كله، ويعدني بذلك طوال الوقت" مردفةً وقد انهمرت دموعها بغزارة: "ها هو غاب عني للأبد، وتركني لقهر هذه الدنيا وحيدة".
