مزارعون غرسوا "الأمل" فحصدوا "القهر" على حدود "موراج"!
تاريخ النشر : 2025-04-30 12:38

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

"كنتُ أخشى عليها نسمة الهواء، وأنتظر الحصاد كل مرةٍ كما لو كنت أنتظر مولودًا جديدًا" يقول المزارع الفلسطيني هيثم قديح لنوى بحرقة.

في أرض ذلك المزارع الخمسيني، كانت البطاطس يانعة طازجة، وأوراق الملوخية الخضراء تتمايل مع نسمات الهواء العليلة، لتخبره برزقٍ قريب. "كل ذلك صار أثرًا بعد عين. تحولت أرضي إلى مساحةٍ قاحلة لا أثر للون الأخضر فيها" يضيف.

غدت أرض الرجل تلالًا من التراب المتناثرة، أرضًا خاليةً حتى من الأمل بإصلاحها، بعدما جرفتها آليات الاحتلال الإسرائيلي، جراء سيطرته الكاملة على مدينة رفح، وإنشاء محور موراج الذي عزل جنوبي القطاع تمامًا عن باقي محافظاته، وحرم أهله من سلته الغذائية الزاخرة بالخير والإنتاج الوفير.

لا يعد الرجل الخمسيني خسارته هو والمزارعين في تلك المنطقة أراضيهم خسارةً شخصية، "بل هي قتل لشريان الحياة الأساسي المتبقي بغزة، في ظل إغلاق المعابر واستفحال المجاعة".

يخبرنا قديح: "أمتلك ثلاثة دونمات من محصول البطاطس والطماطم والملوخية، كان يُفترض قطفها هذا الأسبوع، لكن الاحتلال جرف الأرض كلها، وحرمني الوصول لأرضي بعد إنشاء المحور. من يقترب من تلك المنطقة يُقتل فورًا".

ولا يعد الرجل الخمسيني خسارته هو والمزارعين في تلك المنطقة أراضيهم خسارةً شخصية، "بل هي قتل لشريان الحياة الأساسي المتبقي بغزة، في ظل إغلاق المعابر واستفحال المجاعة".

ويضيف: "السوق يشهد ندرة في الخضروات التي اعتاد على توافرها مع كل موسم، مما أدى الى ارتفاع أسعار الموجود منها بشكل يفوق قدرة المواطن الغزي، والباعة يسألونني دائمًا: أين الخضروات؟ فأجيب: "ما في خضرة..  راحت الأرض".

بحسب تقارير منظمات أممية، فإن أكثر من 700 ألف شخص في غزة يواجهون خطر المجاعة الحقيقية، في ظل الحصار الخانق وتدمير القطاع الزراعي جنوبًا.

وأضاف إحكام الاحتلال الإسرائيلي سيطرته على مدينة رفح ومحور موراج، مأساة جديدة إلى سجل المعاناة المتواصلة لأهالي غزة، هذه السيطرة ليست عسكرية الطابع وحسب، بل اختيار مقصود في وقت حصاد المزارعين لمحاصيلهم الزراعية في المنطقة الجنوبية، التي تشكل أحد أهم مصادر غزة الغذائية، "وهذا ساهم في تفاقم المجاعة، وشكل هجومًا على الأمن الغذائي لأكثر من 2.3 مليون إنسان أمعاؤهم خاوية في غزة.

وبحسب تقارير منظمات أممية، فإن أكثر من 700 ألف شخص في غزة يواجهون خطر المجاعة الحقيقية، في ظل الحصار الخانق وتدمير القطاع الزراعي جنوبًا.

ووفق المزارع وبائع الخضروات الأربعيني المُكنى "أبو أنس الفرا"، فإن رفح كانت تمثل نقطة محورية في دخول العديد من المنتجات الزراعية الطازجة من جنوبي القطاع، مثل البطاطس والطماطم والخيار، التي تعدّ المكونات الأساسية لما يُعرف بـ"السلة الغذائية الغزية".

"كنت كل لحظة أراقب نموها لحصدها وبيعها في السوق، فجأة  حاصر الاحتلال الأرض شرقي موراج، ونزحتُ وعائلتي إلى مواصي خانيونس ولم أعد قادرًا حتى على الوصول  إليها".

يضرب الرجل كفًا بكف، متحسرًا على أرضه المقدرة مساحتها بـ 10 دونمات حرمه الاحتلال حصاد ثمارها هذا الموسم، ويتابع: "مع احتلال المدينة، وإغلاق المحاور والمعابر، انقطعت الخضروات عن الأسواق، ولا يجد الغزيون في ظل تفشي المجاعة سوى علب البقوليات ليسدوا جوعهم".

ويضيف: "مع بداية الموسم امتلأت في أرضي الحمامات الزراعية بثمار البطاطس والخيار والملوخية، كلفتني زراعتها مبلغًا كبيرًا من المال لشراء السماد، والبذور، وشراء ألواح طاقة بديلة عن الكهرباء لتشغيل آلات الري. كنت كل لحظة أراقب نموها لحصدها وبيعها في السوق الغزي لأن الناس بحاجتها، فجأة  حاصر الاحتلال الأرض شرقي ما يسمى بمحور موراج، ونزحتُ وعائلتي إلى مواصي خانيونس ولم أعد قادرًا حتى على الوصول  إليها".

شاهد الفرا صورًا لمحور موراج، والأراضي التي جرفتها آليات الاحتلال، "وكان من بينها أرضي. انكسر قلبي، وكدتُ أُصاب بجلطة؛ لأن هذا شقاء العمر، خسرت مالًا وأرضًا ومصدر غذاء مهم".

ويكمل بلهجة غزاوية: "ما ظل بطاطا.. ولا طماطم.. كانت الأرض مصدر الخيرات، اليوم الناس بتسألني عن حبة طماطم وكأنها كنز"، مختتمًا حديثه بالقول: "زرعنا أمل وحصدنا قهر".

ماذا يعني احتلال موراج؟

ويقول المهندس الزراعي محمود عايش: "إن احتلال رفح كاملة، وإنشاء محور موراج يعني تجميد القطاع الزراعي في محافظات غزة، ومنع إدخال المحاصيل للسوق، وقطع أرزاق المزارعين، بالإضافة إلى تفاقم أزمة الغذاء بشكل مرعب، خاصة في ظل انتشار المجاعة بغزة، واعتماد أهالي القطاع على إنتاجهم المحلي من المحاصيل الزراعية، في ظل إغلاق المعابر ومنع دخول أي أصناف أخرى من المواد الغذائية".

"إنشاء محور موراج يعني تجميد القطاع الزراعي في محافظات غزة، ومنع إدخال المحاصيل للسوق، وقطع أرزاق المزارعين، بالإضافة إلى تفاقم أزمة الغذاء بشكل مرعب،

وأضاف: "إنشاء المحور جاء كضربة في خاصرة أمن غزة الغذائي، ومصادر رزق المزارعين، الذين تعرضوا لخسائر فادحة بسبب تجريف  وتدمير الاحتلال لأراضيهم الزراعية، بعد أن حولها إلى ثكنات عسكرية"، مشيرًا إلى أن  أكثر من 40% من إنتاج غزة الغذائي كان يعتمد على هذه الأراضي.

وأوضح المهندس الزراعي أن احتلال موراج له تداعيات خطيرة أخرى على صعيد البيئة، فوفق ما ذكر أن التدمير الممنهج للأراضي الزراعية لم يؤثر فقط على السلة الغذائية، بل تسبب أيضًا في تدهور البيئة، وأدى إلى تدمير 48% من الغطاء النباتي بغزة، وتلوث التربة والمياه وزيادة خطر انتشار الأمراض المعدية.