غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
استوعب المرء في قطاع غزة فكرة النزوح عمومًا، من المنزل ومن المدرسة وكل مراكز الإيواء ومن المنطقة كلّها، لكنه أبدًا لن يستوعب فكرة النزوح من مستشفى!
أن تُمهل مستشفى مكدسة بآلاف الجرحى والمرضى بضع دقائق لإخلائها، كي تُقصف بالصواريخ! نعم هذا ما يحدث تحت الإبادة.
"كيف قتلوه وهو لا ذنب له في أي شيء؟ (..) لم يتركوه ليكبر، قتلوه في السرير الذي نام فيه أولى لحظات إصابته".
هكذا يرى طه النبيه، وهو أب فقد طفله بعد ساعات من إصابته بشظية في رأسه جراء غارة استهدفت نقطة لشحن الهواتف النقالة في مدينة غزة، يوم الثاني عشر من نيسان/ إبريل عام 2025.
يقول: "لولا إخلاء المعمداني.. لبقي طفلي حيًا"، يبكي الرجل وهو الذي لا يجد طريقة يصف بها حجم مصابه، فهذا حاتم، حبيب قلبه وأنيس أسرته بعد أخويه الأكبر منه، الودود، فاكهة المنزل وروحه، الشقي المحب للحياة، "كيف قتلوه وهو لا ذنب له في أي شيء سيء في هذه الحياة؟" يتساءل، مضيفًا بحرقة: "لم يتركوه ليكبر، قتلوه في السرير الذي نام فيه أولى لحظات إصابته".
في التفاصيل، أجبرت قوات الاحتلال الإسرائيلي ليلة الـ13 من إبريل الجاري، الجرحى والمرضى والأطباء والممرضين وكل العاملين في المستشفى المعمداني -الوحيدة التي تعمل في شمالي قطاع غزة- على إخلاءها خلال 10 دقائق تمهيدًا لقصفها بذريعة وجود مقاومين من الفصائل الفلسطينية بداخلها.
ومنذ الدقيقة الأولى للاتصال الذي ورد لأحد المتواجدين هناك، زحف الناس بطريقة جنونية هربًا من القصف، سحَبَ الأهالي مرضاهم وجرحاهم على الأسرّة ليهربوا بهم قبل قصف المستشفى، ولحاتم تفاصيل قاسية.
يتحدث والده بأن حالته كانت مستقرة نوعًا ما، حتى لحظة الإخلاء التي أجبرتهم على انتشاله والهرب معه وترك الأجهزة التي تساعده على التنفس.
يخبرنا: "جسدي تجمّد وخطواتي أصبحت ثقيلة، لكن كان لزامًا علي الركض وأنا أدفع السرير الذي ينام عليه طفلي الجريح، كما أخذت معي جرّة الأكسجين اللازمة لعملية التنفس".
"استشهد ابني في الشارع، وبين يدَي، لم أستطع فعل شيء، لم يستطع الأطباء إنقاذه. قصف الاحتلال المستشفى وقضى ابني وغيره في طابور النزوح أمامها".
كانت الدقيقة تشكل فارقًا بحياة الطفل حاتم، وكل دقيقة تمرّ عليه خارج المستشفى بمثابة فرصة أقرب للموت، التفّ الأطباء حوله ووالده يصرخ هربًا من موت إلى موت آخر يحدق بابنه، حتى انقطع النفس وتوقف القلب عن النبض، فأخبره الأطباء أنه غاب عن هذا العالم، "ابنك استشهد، ادعيله بالرحمة".
يتابع: "استشهد ابني في الشارع، على سريره، وبين يدي، لم أستطع فعل أي شيء، لم يستطع الأطباء إنقاذه، فالوضع كان كارثيًا بكل ما تحمل الكلمة من معنى، قصف الاحتلال المستشفى وقضى ابني وغيره في طابور النزوح أمامها".
فقد طه حاتم "حبيبه" كما يحب أن يناديه، ويصف تلك اللحظة بقوله: "في تلك اللحظة شعرت أن جزءًا من قلبي انتُزع. يُخيّل لي حتى اليوم أنه ما زال عالقًا وأسيرًا لذلك الحدث. أظنه يناديني أحيانًا، وأنني ربما في كابوس سأصحو منه فأجد حاتم بجانبي".
يحمل طه روح حاتم في دمه، يحاول أن يبثّ الحياة فيها مجددًا فتصفعه الحقيقة، يلفظ كل معاني "الحياة" هذه مع كل ضربة صاروخ يسقط بين الفينة والأخرى فينتزع أرواحًا جديدة، "وكم من حاتم قُتِل؟! وكم من أبو حاتم قُتِل! وأنا المستعد للموت مقابل أن تنتهي الإبادة، وينتهي كل الجحيم الذي يعيشه الناس هنا في كل آن" يقول، ويتمتم: "يا ليتني أكون آخر شهدائها وتنتهي".
