الأعشاب البرّية.. ملاذ "الجوعى" في غزّة المحاصرة!
تاريخ النشر : 2025-04-06 09:45

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

أمام خيمتها الشاهدة على أعظم إبادة جماعية عرفتها البشرية في منطقة المشتل غربي مدينة غزة، تجلس أمل مرزوق (35 عامًا) أمام وعاء صغير تجمع فيه أوراق الخبيزة الخضراء التي قطفتها صباحًا من حقل قريب.

إلى جانبها، يلعب طفلها الصغير منتظرًا نضوج الطعام على أحر من الجمر، بينما يتصاعد دخان خافت من نار أوقدتها بحفنة من الحطب الذي جمعت "أشلاءه" من هنا وهناك.

"اليوم نجتمع حول طبقٍ واحد، يتكون من الخبيزة، أو أوراق التوت، وأحيانًا من أوراق أشجار مختلفة، نخرج مع الفجر لجمعها من الأراضي القريبة".

تقول أمل لـ"نوى" وهي التي نزحت من بيتها بمدينة بيت لاهيا، شمالي قطاع غزة، بعد استئناف دولة الاحتلال عدوانها على القطاع في الثامن عشر من آذار/ مارس الماضي: "لم تكن موائدنا تخلو من الدجاج واللحوم. كانت طاولتنا تكتظ بالأطباق لدرجة الاستعانة بطاولة إضافية، لكننا اليوم نجتمع حول طبقٍ واحد، يتكون من الخبيزة، أو أوراق التوت، وأحيانًا من أوراق أشجار مختلفة، نخرج مع الفجر لجمعها من الأراضي القريبة".

وتضيف بحزن: "غاز الطهي صار حلمًا، وسعره لا نقدر عليه. لقد ارتفع سعر الكيلو الواحد منه إلى 200 شيقل. حتى الحطب بات غاليًا بسبب الحرب. صرنا نكتفي بالخبيزة وبعض الأعشاب الأخرى مثل الحويرنة والرجلة، وأحيانًا نضيف إليها القليل من الطحين أو الزيت إذا حصلنا عليه من المساعدات".

يجلس عبد الكريم مرزوق، زوج أمل، بجانب أطفاله الأربعة، الذين يتضورون جوعًا، ويقول: "الأكل لم يعد مثلما كان، لكنه يسد الرمق. أهم شيء ألا ينام أطفالي جوعى".

ومنذ قررت دولة الاحتلال الإسرائيلية، إغلاق معبر كرم أبو سالم، ووقف إدخال البضائع والوقود والدواء لغزة، في الثاني من آذار/ مارس الماضي، باتت الخبيزة ورفيقاتها من النباتات البرية رمزًا لصمود العائلات الغزية، التي تعيد تعريف معنى "اللمة" حول موائد الطعام، "موائد لا تحضرها الأطباق الفاخرة، لكن يجمعها الألم والذكريات من زمن ما قبل الحرب" يضيف مزوق.

رحلة البحث عن الطعام

في زقاق ضيق بحي الشجاعية شرقي مدينة غزة، تعيش سميرة عبد المعطي (38 عامًا) مع زوجها وأطفالها الخمسة في غرفةٍ واحدة، بعدما دُمر منزلهم في القصف الأخير.

مطلع مارس الماضي، ومع بدء شهر رمضان المبارك، كانت السيدة تحلم بتحضير وجبات دافئة لعائلتها، تعوضهم من خلالها عن رمضان الذي سبقه، وعاشته برفقتهم تحت وطأة المجاعة، إلا أن الحصار ونقص المواد الغذائية، جعلها تبحث عن بدائل من قلب الأرض.

"بعد أن كانت موائدنا تزخر بأنواع الأطعمة واللحوم، وبعد أن كنا نتفنن في الطبخ، صرنا إذا وجدنا ما يكفي من هذه الأعشاب لأطفالنا، نشعر وكأننا وجدنا كنزًا ثمينًا".

تجلس سميرة على حجر أمام باب غرفتها، وتستذكر كيف قضت شهر رمضان الفائت كاملًا، في جمع وفرز أوراق الخبيزة والحويرنة، التي كانت تلتقطها من أطراف الحي.

"وحتى اليوم، لا خيار آخر أمامنا إلا هذه الأعشاب البرية"، تقول بينما تنظف حزمةً جمعتها للتو، من أجل طعام الغداء. وتزيد: "بعد أن كانت موائدنا تزخر بأنواع الأطعمة واللحوم، وبعد أن كنا نتفنن في الطبخ، صرنا إذا وجدنا ما يكفي من هذه الأعشاب لأطفالنا، نشعر وكأننا وجدنا كنزًا ثمينًا".

وتحكي سميرة عن رحلتها اليومية: "كل صباح بأخذ بنتي الكبيرة، منّة، وبنمشي بعيد على الأراضي الفاضية عشان نلاقي خبيزة أو رجلة أو أي عشبة تصلح للأكل. أرجع على الظهر، والحرقة على قلبي، تعبانة وجسمي مكسر، بس بقول لازم نوفر لقمة لولادي".

تجهز سميرة وعاءً صغيرًا وتضع فيه الخبيزة التي غسلتها بماء شحيح. توقد نارًا صغيرة من حطب جمعه زوجها من بقايا الركام، وتقول: "نفسي أطبخها بزيت زيتون زي زمان".

تتنهد قليلاً قبل أن تضيف: "أحيانًا بلاقي جرجير بري أو شوية بقدونس، بخلطهم مع الخبيزة عشان يزيدوا الكمية، بس اللي جرب الجوع بيعرف إن الخبيزة كنز وقت الأزمات".

مع اقتراب موعد الغداء، تجهز سميرة وعاءً صغيرًا وتضع فيه الخبيزة التي غسلتها بماء شحيح. توقد نارًا صغيرة من حطب جمعه زوجها من بقايا الركام، وتقول: "نفسي أطبخها بزيت زيتون زي زمان، بس حتى الزيت مش موجود، وإن توفر فهو غالي. بكتفي بطبخها بالماء والملح. لما بخلص، بحط جنبها خبز ناشف وشوية مخلل من اللي بقوا من زمان".

حتى منّة، ابنتها الكبرى (13 عامًا)، أصبحت شريكة أمها في هذه الرحلة القاسية. تقول: "كل يوم بنمشي مسافة طويلة ندور على الخبيزة. تعبت بس أمي بتقول إحنا قوايا وما بننهزم. نفسي بس آكل أكلة سخنة زي زمان. نفسي بقطعة لحمة أو فخدة دجاج".

تفاقم الأوضاع الإنسانية

باسل أبو القرع (29 عامًا)، وهو بائع خضروات في سوق الشيخ رضوان بمدينة غزة، يقف أمام بسطته التي لم تعد تمتلئ كما كانت سابقًا. يتنهد وهو ينظر إلى صناديق شبه فارغة، ويقول لـ"نوى": "منذ أن أُغلق معبر كرم أبو سالم في بداية مارس، لم تعد الخضروات تصل إلى غزة. الطماطم، البطاطا، الخيار، وحتى البصل. كل شيء اختفى من السوق تقريبًا. وإن وجدناه، فسعره صار فلكيًا! البطاطا وصل سعرها إلى 20 شيكلًا للكيلو، والبصل 35 شيكلًا للكيلو. حتى رأس الثوم الواحد بلغ سعره سبعة شواكل. الناس لم تعد قادرة على شراء الخضروات كما اعتادت".

يتوقف لحظة ثم يتابع بحسرة: "الزبائن صاروا يسألون عن بدائل أرخص. في الأيام العادية، ما حد كان يسألني عن الخبيزة أو الرجلة، الناس بدها بطاطا وبندورة وكوسا.. اليوم الوضع انقلب. صاروا يسألوني: "عندك خبيزة؟ عندك رجلة؟" وكأنها صارت الخضار الرسمية لأهل المدينة".

ومنذ مطلع آذار/ مارس 2025م، أغلقت سلطات الاحتلال الإسرائيلي معبر كرم أبو سالم، المعبر التجاري الوحيد لقطاع غزة، مما أدى إلى منع دخول البضائع، والمساعدات الإنسانية، والوقود إلى القطاع.

هذا الإغلاق المستمر منذ أكثر من شهر تسبب في تفاقم الأوضاع الإنسانية بشكل حاد، حيث يعاني السكان من نقص حاد في المواد الغذائية الأساسية، والوقود، والمستلزمات الطبية.

وبحسب المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، فإن إغلاق المعبر تسبب في انعدام الأمن الغذائي لنحو 80% من السكان، مع توقف صرف المساعدات من الجهات الإغاثية وتوقف التكيات الخيرية.