الضفة الغربية/ شبكة نوى- فلسطينيات:
انخرط طالب كلية الطب في جامعة النجاح الوطنية بنابلس محمد الشنطور، بالعمل النقابي الطلابي في سنته الدراسية الثالثة داخل أسوار الجامعة كممثّلٍ للكتلة الإسلامية، بعد فوزها في انتخابات مجلس الطلبة لعام 2023/2024.
هذه المهمة التي كفلها القانون الفلسطيني كحق، كانت سببًا في حرمانه من عامٍ دراسي كامل، حين وجد نفسه يستقبل رمضان بأمعاء خاوية معلنًا الإضراب عن الطعام في زنزانته بسجن الجنيد بمدينة نابلس، مغيّبًا قسرًا عن مائدة عائلته، وإمامة صلاة التراويح في مساجد بلدته "بيت صفافة" بالقدس المحتلة.
خلال نهار الخامس عشر من كانون الأول المنصرم، وبزيّ موظف توصيل "ديلفري"، تنكرّ رجل أمن، اعترض طريقه، قبل أن تصل سيارتا أمن يقودهما مسلحون بزي مدني، لتخطفه برفقة زميله رئيس مجلس الطلبة في الجامعة عمر قواريق، وصديقهما الذي تواجد بالقرب من المكان، أسيد الخرّاز، الذي لا يزال منذ 95 يومًا معتقلًا في سجون الأجهزة الأمنية الفلسطينية.
"صادروا أجهزة الهاتف والحاسوب الخاص بي وبعض المقتنيات العادية، والمضحك أنهم صادروا بلوزة ذنبها الوحيد أنها خضراء اللون".
يقول الشنطور: "بعد تفتيش عدد من العمارات والشقق السكنية، وصلوا لشقتي التي أسكُنُها، وصادروا أجهزة الهاتف والحاسوب الخاص بي وبعض المقتنيات العادية، والمضحك أنهم صادروا بلوزة ذنبها الوحيد أنها خضراء اللون". وبالتزامن مع اقتيادهم لسيارات الأمن ونقلهم لمقر المخابرات في نابلس -والحديث للشنطور- تعرضوا للضرب والتعذيب، والشتم والإهانة.
وتشكّل الاعتقالات السياسية، منذ نحو 18 عامًا، إحدى العقبات الرئيسة أمام تحقيق الوحدة الوطنية الفلسطينية، بين الفصائل والقوى السياسية المختلفة، لا سيّما بين أكبر فصيلين سياسيَّيْن في فلسطين، حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" وحركة المقاومة الإسلامية "حماس".

وتحت وطأة "الإبادة" المستمرة في قطاع غزة، والحملة العسكرية في الضفة الغربية، التي يشنها الاحتلال الإسرائيلي منذ أكثر من عام ونصف، تستمر الأجهزة الأمنية بالضفة الغربية، في الاعتقالات والملاحقات السياسية ضد نشطاء، وصحافيين، وطلبة جامعات، بالإضافة لأسرى محررين، وأنصار لحركات المقاومة الفلسطينية ومنتسبين إليها، وهذا يدفع للتساؤل بعد مرور نحو عقدين على أحداث الانقسام الفلسطيني الداخلي، عما لو كان هناك أفق لإنهاء هذا الملف، وعن تداعيات استمراره على مستقبل المشهد الفلسطيني الداخلي؟
واقع الاعتقالات السياسية
ووفقًا لتقارير لجنة أهالي المعتقلين السياسيين، شهدت نهاية عام 2023م -أي منذ بداية العدوان الإسرائيلي على غزة- ارتفاعًا ملحوظًا في انتهاكات الأجهزة الأمنية في الضفة الغربية، إذ وصل جلّها إلى 3062 انتهاكًا، ما بين ملاحقة واعتداء ومداهمة منازل واعتقال.
واستهدفت الانتهاكات بالدرجة الأولى أسرى محرّرين ومقاومين، فضلًا عن نشطاء الحراك الشعبي، وطلبة الجامعات، وصحفيّين، بواقع 900 حالة اعتقال، و287 حالة استدعاء. بينما تمكنّت اللّجنة في عام 2024م من توثيق ما يقارب 2246 انتهاكًا، بينها 605 حالات اعتقال، و 135 حالة استدعاء، عرف منها 327 من طلبة الجامعات، و 55 صحافيًا، و 171 ناشطًا.
وحسب اللجنة، فإن "ذلك يعد مساسًا واضحًا بحرية الرأي والتعبير، من خلال قمع المسيرات الداعمة لغزة، وملاحقة العمل النقابي وناشطيه، خاصة في الجامعات التي من المفترض أن تشكّل حاضنة مصغرّة للوحدة الوطنية، واحترام الاختلاف والرأي الآخر، قبل أن تصبح بؤرة مستهدفة، نظرًا لفوز الحزب المخالف للسلطة الفلسطينية في انتخابات مجلس الطلبة، في السنوات الأخيرة.
مبررات قانونية وضغوط سياسية وأمنية
وندّدت العديد من المنظمات الحقوقية المحلية والدولية بالاعتقال السياسي وممارساته، عادةً إياه انتهاكًا صارخًا لحقوق الإنسان، لا سيّما مع غياب محاكمات عادلة، وعدم تنفيذ قرارات الإفراج الصادرة عن المحاكم الفلسطينية.
عودةٌ إلى حكاية الشنطور، الذي قضى 90 يومًا برفقة صديقيه بين جلسات التحقيق والشبح والعزل، حيث تمحور التحقيق طوال فترة الاعتقال، حول عملهم النقابي الطلابي داخل أسوار الجامعة، "لكن أثناء مثولنا أمام المحكمة، فوجئنا بقرار القاضي تمديد اعتقالنا تحت ذريعة تهمة "حيازة السلاح"، برغم ظهور علامات التعذيب على أجسادنا" يخبرنا.
"يتم تغليف الاعتقال السياسي أمام المحاكم، في إطار قانون ذم وقدح مقامات عليا، أو إثارة النعرات الطائفية، وتهديد السلم الأهلي، وحيازة السلاح".
"ويتم تغليف الاعتقال السياسي أمام المحاكم، في إطار قانون ذم وقدح مقامات عليا، أو إثارة النعرات الطائفية، وتهديد السلم الأهلي، وحيازة السلاح، والكثير من الاتهامات اللا مشروعة والبعيدة كل البعد عما يتّم التحقيق حوله داخل أسوار الزنزانة"، وفق المستشار القانوني بمؤسسة "الحق" أشرف أبو حية، الذي قال لـ"نوى": "أحيانا يتم تغليف المسألة في إطار القانون، ولكننا أصبحنا قادرين على التحدث بدون أي خجل، بأنّ الموضوع خرج عن السياق القانوني، فهو يلبس ثوبًا قانونيّا، ولكن في حقيقته ما هو إلّا اعتقال سياسي بامتياز، على خلفية حرية الرأي والتعبير، وعلى خلفية نقد السلطات العامة".
ولمْ تقتصر إشكالية الاعتقال السياسي على ذلك، بل تعدّت الخطوط الحمراء بانتهاك توفير ظروف احتجاز آمنة، والتعرض للتعذيب في مراكز الاعتقال، واختراق الاتفاقيات الدولية المناهضة للتعذيب التي وقّعت عليها السلطة الفلسطينية، بشكلٍ يؤكد عبارةً قالها الشنطور: "في الجنيد تُكسر كل القواعد والأنظمة التي تحكي عن حقوق الإنسان".
"بالتزامن مع الشتم والضرب على الوجه وكل أنحاء الجسم، جاء ضابط الأمن وأمسكني من كتفي، ثمّ بدأ بضربي برجله على فخدي حتى بدأت بالتقيُّؤ".
يوم الثلاثاء، وجاء بعد أربعة أيام من الاعتقال، وصفه الشنطور بأنه "الأشد تعذيبًا وإيلامًا"، مؤكدًا أنه لن ينساه طوال حياته، "فقد شبحونا بتقييد أيادينا بالكلبشات إلى الخلف، وربطها بماسورة حديدية معلقة في السقف، تجعل رؤوس أصابعنا هي التي تلمس الأرض فقط" يقول، مردفًا بحرقة: "بالتزامن مع الشتم والضرب على الوجه وكل أنحاء الجسم، جاء ضابط الأمن وأمسكني من كتفي، ثمّ بدأ بضربي برجله على فخدي حتى بدأت بالتقيُّؤ، في حين أُغمِي على أُسيد حتى قطع الحبل فوق رأسه".
من جانبٍ آخر، تعدّ هذه الممارسات امتدادًا لسياق سياسي يرتبط بدوافع داخلية وخارجية للسلطة الفلسطينية، جعلت منها ظاهرة مستمرّة منذ أكثر من ثلاثين عامًا، أولها: سياسة التنسيق الأمني مع دولة الاحتلال بموجب اتفاقية "أوسلو" 1993م، التي تفرض التزامات على السلطة بضبط أي نشاط سياسي وعسكري يهدد أمن "إسرائيل".

وهذا ما أكدّه المحلل السياسي خليل عسّاف، الذي أشار إلى أنه ثمّة دوافع سياسية لمصلحة السلطة الفلسطينية بمواصلة أجهزتها الأمنية الملاحقات والاعتقالات السياسّية، بالإضافة للالتزامات الأمنية اتجاه دولة الاحتلال والولايات المتحدة الأمريكية، بموجب اتفاقيات عدة، تدفعها لملاحقة المقاومين خاصة في شمالي الضفة.
أما الدافع الثاني -وفق عساف- فيكمن في الحفاظ على الاستقرار الداخلي، إذ تبرر الأجهزة الأمنية هذه الاعتقالات بمنع الفوضى وحفظ الأمن والسلم، "لكنها في الحقيقة، تهدف لإسكات أي صوت معارض، من خلال السيطرة على الحراكات الشعبية، ومنع التظاهرات الوطنية، حيث قتلت الأجهزة الأمنية خلال عامي 2023م و 2024م حسب لجنة أهالي المعتقلين السياسيين 17 مواطنًا ومواطنة، بينهم 5 مواطنين خلال فضّها مظاهرات سلمية خرجت في مراكز مدن الضفة دعمًا لغزة، وتنديدًا بالعدوان الإسرائيلي عليها.
"بكل وضوح ومن دون أي مراوغة، تعلن الرئاسة أن حماس تتحمل مسؤولية استئناف الحرب على غزة، وهذا شيء معيب ويدعو للاستغراب. نحن نتفهم الضغوط الخارجية، لكن أمريكا لن تعطي الفلسطينيين إلا الموت والذل".
أمّا السبب الثالث، فيأتي بفعل الضغط الخارجي والدعم الدولي الماليّ، "الذي يكون مشروطًا بتنديد السلطة بكل ما يهدد أمن إسرائيل، ويعرقل عملها داخل الأراضي الفلسطينية، كما حدث مؤخرًا".
ويعبّر عسّاف عن استيائه من بيان الرئاسة الفلسطينية، الذي أصدرته عقب استئناف "إسرائيل" العدوان على غزة، وارتقاء أكثر من 450 شهيدًا من الأطفال والنساء في يومٍ واحد، تُحمّل فيه "حماس" مسؤولية ذلك، حيث قال :"بكل وضوح ومن دون أي مراوغة، تعلن الرئاسة أن حماس تتحمل مسؤولية استئناف الحرب على غزة، وهذا شيء معيب ويدعو للاستغراب. نحن نتفهم الضغوط الخارجية، لكن أمريكا لن تعطي الفلسطينيين إلا الموت والذل، وبالتالي المراهنة على أمريكا، لن تقدم شيئًا للسلطة إلا العار في التاريخ".
"الحقيقة أنّ علينا مجابهة العالم بوحدة وطنية فلسطينية في الضفة وغزة؛ لإبطال أطماع نتنياهو وحليفته أمريكا، بإبقاء الاحتلال الكامل لقطاع غزة وتقسيمه".
وفي السياق ذاته، عدَّ الأمين العام للمبادرة الوطنية الفلسطينية "مصطفى البرغوثي"، بيان الرئاسة "تورطًا جديدًا للسلطة الفلسطينية بلوْم الضحية ومساواته مع الجلاد"، وهو غير مقبول بكل المعايير -على حد تعبيره، قائلًا: "الحقيقة أنّ علينا مجابهة العالم بوحدة وطنية فلسطينية في الضفة وغزة؛ لإبطال أطماع نتنياهو وحليفته أمريكا، بإبقاء الاحتلال الكامل لقطاع غزة وتقسيمه".
بداية انفراجة أم أزمة لا أفق لها؟
وتحت وطأة الإبادة المستمرة في قطاع غزة، والعملية العسكرية في الضفة الغربية، أكدّ البرغوثي ضرورة تشكيل حكومة وفاق وطني موحدة على رؤى واستراتيجية كفاحية؛ لتجنيد كل الطاقات في العالم من أجل إسناد القضية الفلسطينية، شارحًا ذلك بقوله: "أولًا بزوال الوهم الذي يعدُّ أن هناك حلّا مع الاحتلال، ويجعل التفاوض معه ممكنًا، فضلًا عن أنّ أمريكا هي حليف إسرائيل وليست وسيطًا".
ويضيف: "ثانيًا تنفيذ اتفاق بكين، الذي يشكل الإطار الأكثر واقعية وعملية وقابلية للتطبيق فورًا دون تأخير، لوحدة الصف الفلسطيني".
اتفاق بكين 2024م، جاء بتوافق 14 فصيلًا فلسطينيًا؛ لتشكيل حكومة "وفاق وطني" في ظل حرب الإبادة. هذا الاتفاق الذي سبقته 18 عامًا تخللتها جهود ومبادرات دوليّة وعربيّة واتفاقات جرى التوقيع فعليًّا عليها، بدءًا من مكة، مرورًا بالقاهرة والجزائر وغيرها...
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل ستبقى هذه الاتفاقيات حبرًا على ورق في كلّ مرة؟ فالحقُّ أنّ المعضلة لا تكمن في التوقيع عليها شكليًا وحسب، إنّما في تنفيذ بنودها، التي غالبًا ما تكون ذرًا للرماد في العيون.
