الضفة الغربية/ شبكة نوى- فلسطينيات:
يتفق الفلسطينيون على أن عام 2007م، كان "الأسوأ" في تاريخ السياسات الفلسطينية الداخلية على الإطلاق، بل "الأكثر ترديًا" فيما يتعلق بالمصالح الوطنية الفلسطينية منذ أزمة الخروج من لبنان عام 1982م.
الفجوة الكبيرة في الفلسفة والتوجهات السياسية كانت عاملًا هامًا وراء اشتداد الاحتقان، والخلاف العميق فيما يتعلق بالموقف من التسوية السياسية مع "إسرائيل"، كان العامل الأكثر حسمًا وثقلًا في الانفجارات المتوالية بالعلاقة بين الرئيس والحكومة أو بين "فتح" و"حماس"، وصولًا إلى الانفجار الكبير في غزة في الرابع عشر من يونيو/ حزيران 2007م.
ولم يتمكن "اتفاق مكة" في فبراير/ شباط 2007م، وتشكيل حكومة وحدة وطنية، من تهدئة هذا التناقض المحتدم، فانهارت حكومة الوحدة الوطنية بعد ما لا يزيد على ثلاثة أشهر، وتوالت بعدها الإخفاقات في تشكيل حكومةٍ موحدة القيادة والهدف حتى يومنا هذا بواقع 10 حكومات متلاحقة.
وبين حكومةٍ وحكومة، أثر النظام الذي اعتمدته الحركتان في الضفة وغزة، على كفاءة صنع القرار، والوصول إلى تسويات ضرورية، إذ يمكن تخيل حجم الضرر الذي تسبب به توزع السلطة بين رئيس من "فتح"، وحكومة من "حماس"، أو بين مؤسستي الرئاسة والبرلمان، وكلتاهما منتخبتان.
وقد ساهم أكثر في صعوبة التوصل إلى توافقات داخل هذا النظام الدستوري، أن الحوار بين «فتح» و«حماس» كان محدودًا للغاية تاريخيًا، وكان فاشلًا في كل الأوقات.

وتشكلت حكومة "الوحدة الوطنية" الأولى (الحكومة الحادية عشرة) برئاسة إسماعيل هنية في مارس/ آذار- 2007م، واستمرت لغاية 14يونيو/ حزيران 2007م، غير أنه تم إقالة الحكومة إثر الانقسام الفلسطيني.
فيما تشكلت أول حكومة "وفاق وطني" (الحكومة السابعة عشر) ، وترأسها د. رامي الحمد الله، في 2 حزيران/2014م، كتنفيذ لاتفاق الشاطئ في مايو/ أيار 2014م، إلى أن استقالت الحكومة مطلع العام 2019م.
مربع "أوسلو"
ويردُّ أستاذ العلوم السياسية في جامعة النجاح، الدكتور رائد نعيرات، فشل تجارب تشكيل حكومات الوفاق الوطني، أو الوحدة الوطنية على حدٍ سواء، إلى إشكالية إجرائية مهمة، وهي أن "الوحدة" جرت في إطار السلطة الفلسطينية، وليس منظمة التحرير، "بمعنى أنها محكومة إلى ما حُكمت له السلطة، أي مكبلة بأوسلو، ومحدودة أو منزوعة السيادة".
"نحن بحاجة حقيقية وملحة، لحكومة وحدة وطنية، منبثقة عن مشروع وحدوي، لا ينتظر موافقة الدول السبع وإسرائيل وأمريكا، حتى لا نجد أنفسنا وقد عدنا إلى نفس مربع أوسلو".
ويقول: "نحن بحاجة حقيقية وملحة، لحكومة وحدة وطنية، منبثقة عن مشروع وحدوي، لا ينتظر موافقة الدول السبع وإسرائيل وأمريكا، حتى لا نجد أنفسنا وقد عدنا إلى نفس مربع أوسلو".
ويتابع: "نحن نتكلم عن ضرورة تحقيق وحدة وطنية، ونطالب بوطنية الوحدة؛ لمعالجة كل القضايا والهموم الوطنية الفلسطينية، ومعالجة قضايا الإنسان الفلسطيني، وقضايا المؤسسة الفلسطينية، وأولوياتها وفاعليتها، وقضايا الهوية الوطنية الفلسطينية الجامعة، والتطلعات الفلسطينية".
إعلان بكين وتجذر الانقسام!
في السياق، يرى الكاتب والمحلل السياسي خليل شاهين أن التوافق الفلسطيني لم يكن قائمًا أبدًا؛ لوجود مشكلات في اتفاق المصالحة الأساسي الذي وقع في القاهرة عام 2011م، شارحًا ذلك بقوله: "يحوي الاتفاق الكثير من الشوائب والتفاصيل التي لم يجرِ بحثها، فظلّت بحاجة للمزيد من النقاش والحوار، ولذلك لم تلتقِ مصالح كل من طرفي الانقسام (فتح وحماس) على التوافق فيما يتعلق بموضوع التفاصيل، ولذلك ظل الاتفاق معلقًا حتى يومنا هذا".
"إعلان بكين عام 2024م، يشكل أساسًا صالحًا للانطلاق باتجاه تحقيق اختراق في موضوع المصالحة الفلسطينية خلال فترة انتقالية تسبق الانتخابات".
وأوضح شاهين، أن إعلان بكين عام 2024م، يشكل أساسًا صالحًا للانطلاق باتجاه تحقيق اختراق في موضوع المصالحة الفلسطينية خلال فترة انتقالية تسبق الانتخابات.
واتفاق بكين، هو اتفاق تم توقيعه في 23 تموز/ يوليو 2024م بين 14 فصيلاً فلسطينياً مختلفاً، بينها فتح وحماس، كجزء من عملية المصالحة بين الفصيلين في نزاع بدأ بعد الانتخابات التشريعية الفلسطينية عام 2006 وتضمن سيطرة "حماس" على غزة في عام 2007م.
ووفقًا للإعلان، اتفقت الفصائل على تحقيق "وحدة فلسطينية وطنية شاملة تشمل جميع الفصائل الفلسطينية تحت إطار منظمة التحرير الفلسطينية، والالتزام بإقامة دولة فلسطينية مستقلة تكون القدس عاصمتها، وذلك بمساعدة مصر والجزائر والصين وروسيا"، مشددًا على حق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي وفقاً للقوانين الدولية وميثاق الأمم المتحدة، ومنع أي محاولات لتهجير الفلسطينيين من أراضيهم.
"بعد 16 شهرًا من حرب الإبادة، من الواضح أن طرفي الانقسام، لم يدركا خطورة المرحلة التي يعيشها الشعب الفلسطيني المطحون في معركة الوجود".
ورغم أن إعلان "بكين" يعد الورقة الوحيدة المتاحة لتحقيق اختراق في قضية الانقسام المتجذر منذ نحو 18 عامًا، إلا أن "هذا الاتفاق أيضًا، يبدو أنه لن يطبق" حسب شاهين.
ويزيد: "بعد 16 شهرًا من حرب الإبادة، من الواضح أن طرفي الانقسام، لم يدركا خطورة المرحلة التي يعيشها الشعب الفلسطيني المطحون في معركة الوجود"، مشددًا على أن الأصل من الحركتين، نسيان الخلافات، والتوحد أمام هدف عام، هو البحث عن مقومات الصمود، وطرق مواجهة العدوان، وتضميد جراح أبناء الشعب الفلسطيني".
ويستدرك بقوله: "أظن أن الرئيس لا يريد الآن الإقدام على مثل هذه الخطوة؛ لأنه يريد أن ينتظر ليرى إلى أين ستنتهي الأمور فيما ما يتعلق بمستقبل حركة حماس في قطاع غزة".
"إسرائيل تسعى ليس لتصدّع السلطة فحسب، بل لإضعافها تمامًا، وتجويف دورها المركزي، وربما بدعم أطراف خارجية كالولايات المتحدة".
"وحتى إن كانت الضفة الغربية مهيأة لحكومة وحدة أو وفاق وطني، فالمشكلة القائمة تكمن في أن إسرائيل ترفض وبشدة" يتابع شاهين، مردفًا: "حتى أن بعض المكونات في الحكومة الإسرائيلية، تطالب بحل وتدمير السلطة، وما يحدث شمالي الضفة من دخول للدبابات في مناطق تتبع لسيطرتها خير دليل، فإسرائيل تسعى ليس لتصدّع السلطة فحسب، بل لإضعافها تمامًا، وتجويف دورها المركزي، وربما بدعم أطراف خارجية كالولايات المتحدة الأمريكية".
احتياج وطني بشروط..
وحسب ما يرى الباحث السياسي جهاد حرب، فـ"من الواضح أن هناك عجز فلسطيني عن التوصل لتفاهم بكل ما يتعلق بتشكيل حكومة واحدة للفلسطينيين، ترعى شؤونهم في الضفة الغربية وقطاع غزة على حد سواء، كما ينص إعلان بكين".
ويشدد حرب على أن "تشكيل حكومية فلسطينية موحدة، ومتوافق عليها، هي احتياج وطني، وخطوة في طريق إنهاء الانقسام، وأداء الواجبات المتعلقة برعاية مصالح المواطنين الفلسطينيين"، منبهًا إلى أن المطلوب فلسطينيًا، "اتفاق وطني على حكومة تكون قادرة على معالجة عدة قضايا مركزية، بما يعزز إدارة الحكم في الدولة الفلسطينية كاملة، والتعاطي مع المسائل المدنية والأمنية".
ويتابع: "في الوقت ذاته، يجب أن تكون الحكومة مقبولة دوليًا لتغدو قادرة على إدارة الحكم، من أجل مستقبل الفلسطينيين، وإدخال المساعدات لقطاع غزة، وتمويل إعادة الإعمار، والدخول في أي مباحثات سياسية مستقبلية، بما لا يدع فرصة لدولة الاحتلال كي تتذرع بعدم وجود جسم موحد، وبالتالي تتهرب من استحقاقاتها السياسية".
"الرئيس يتحمل المسؤولية"..
توافق حرب الرأي، نائب الأمين العام للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، ماجدة المصري، التي أكدت أن "تشكيل حكومة وحدة أو وفاق فلسطينية، بات أمرًا على درجة كبيرة من الأهمية، لا سيما في هذه المرحلة"، مضيفةً: "هذا سيساعد كثيرًا في التصدي لحرب الإبادة المستمرة على قطاع غزة، وخطط الضم الإسرائيلية والاقتحامات شمالي الضفة الغربية".
وأضافت: "من شأن تشكيل حكومة وحدة وطنية، توحيد الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة، وتوحيده في مواجهة الاحتلال، ووضع استراتيجية وطنية لمواجهة خطة الضم وحسم الصراع، التي تهدف عمليًا لتصفية القضية الوطنية الفلسطينية"، معقبةً: "إذا لم يتوحد الصف الفلسطيني بأسرع وقت ممكن، فكأنه يعطي الاحتلال فرصة لتنفيذ كافة مخططاته المدمرة للقضية الفلسطينية".
واستنكرت المصري بشدة، عدم تشكيل حكومة توافق وطني بمرجعية منظمة التحرير حتى الآن، "فتشكيلها يعزز حضور ومكانة منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية كونها تعكس توافق الكل الوطني الفلسطيني"، مشيرةً إلى أن "الرئيس هو من يتحمل مسؤولية عدم الدعوة لتشكيلها حتى هذه اللحظة".
الرغبة موجودة ولكن..
ويرى نائب رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني د.حسن خريشة، بدوره، أن الفلسطينيين في كافة مدن وقرى وبلدات ومحافظات فلسطين، مستهدفين من قبل الاحتلال، قائلًا: "نحن أحوج ما نكون لوحدة الفصائل، لا سيما في ظل حرب الإبادة على قطاع غزة، وتهجير نحو 40 ألف فلسطيني في الضفة تحت تهديد السلاح".
"الرغبة في تشكيل حكومة موحدة "موجودة"، لكنها "بحاجة لقرار سياسي، مرهون يا للأسف، بشروط واشتراطات إقليمية".
ويؤكد د.خريشة، أن الرغبة في تشكيل حكومة موحدة "موجودة"، لكنها "بحاجة لقرار سياسي، مرهون يا للأسف، بشروط واشتراطات إقليمية"، مبينًا أن "المطلوب من القيادة الفلسطينية حاليًا، عدم الاستجابة للضغوط الأجنبية والخارجية بالذات الإسرائيلية والأمريكية (..) المطلوب صحوة وطنية، واستجابة كاملة لإرادة الشعب الفلسطينية نحو تحقيق وحدة تُواجه مخططات المحتل المكشوفة، التي تسعى لخلخلة مفاصل القضية الفلسطينية، وتفكيكها عالميًا على المستويين القريب والبعيد".
