الضفة الغربية/ شبكة نوى- فلسطينيات:
منذ أشهر، لم يعد المزارعون ورعاة الأغنام في قرية "رنتيس"، قادرين على الوصول إلى آلاف الدونمات الممتدة بين القرية وبلدات شقبا وشبتين شمال غربي رام الله، بعد إقامة أحد المستوطنين بؤرة رعوية هناك.
في تلك البؤرة، التي صارت موقعًا لاستهداف كل فلسطيني يمر بالقرب منها، تعرض المزارع محمد عثمان للاعتداء بالضرب حين أراد الوصول إلى مزروعاته، في حين تعمّد المستوطن الذي اعتدى عليه، إطلاق أبقاره في الأرض لترعى فيها، ما أدى إلى تلف الأشتال الجديدة، وتدمير التربة.
يستطيع عثمان أحيانًا الوصول إلى أرضه في يوم السبت حصرًا، وقد اكتشف مؤخرًا قيام المستوطنين بإتلاف السلاسل الحجرية، وبراميل المياه التي يستخدمها في ري أشجار الزيتون. ويقول لـ"نوى": "لعائلتي أكثر من 100 دونم هناك.. حُرمنا من الوصول إليها جميعًا".
مستوطن واحد أقام خيامًا وحظائر -أي بؤرة استيطانية رعوية- يسيطر عمليًا على مساحات واسعة من الأراضي لعدة قرى، ويسانده جيش الاحتلال.
ومثله تيسير الشيخ، الذي استثمَر في عشرات الدونمات بزراعة أشجار الزيتون. يقول: "أصبحَت مصدرًا مهمًا لدخل عائلتي، بما يفوق 60% كل عام، لكن في الموسم الماضي خسرناها تمامًا".
مستوطن واحد أقام خيامًا وحظائر -أي بؤرة استيطانية رعوية- يسيطر عمليًا على مساحات واسعة من الأراضي لعدة قرى، لكنه ليس وحيدًا بالمعنى الحقيقي، بل يسانده جيش الاحتلال، وكلما شعر أنه لا يستطيع طرد الفلسطينيين من أرضهم بسبب تفوّق عددهم، استدعى الجنود، الذين لا يتورّعون عن إطلاق النار مباشرة، كما حصل في السادس من آذار/ مارس الجاري، عندما أصيب شاب بالرصاص الحي بفخذه من مسافة قريبة.

حالٌ مشابه في كثير من القرى الفلسطينية، خصوصًا بعد شن الاحتلال الحرب على غزة، وإطلاق يد المستوطنين، حيث أدت الاعتداءات إلى استشهاد 32 فلسطينيًا على أيدي المستوطنين، خلال عامَي 2023م، و2024م، مقارنة بستة استشهدوا نتيجة اعتداءات المستوطنين عام 2022م، بحسب تقارير هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، فيما وصل عدد الاعتداءات من المستوطنين على اختلاف أشكالها، إلى أكثر من 5 آلاف اعتداء خلال 2023م و2024م، مقابل 1200 اعتداء تقريبًا عام 2022م.
عربدة واعتداءات أدت إلى تهجير قرابة 30 تجمعًا بدويًا في مناطق متفرقة من الضفة الغربية، بما يعنيه ذلك من إفراغ مساحات شاسعة من الأراضي، بالنظر إلى طبيعة الحياة البدوية من امتدادٍ ورعي في مساحات واسعة، توازى ذلك مع هدم سلطات الاحتلال لأكثر من 1500 منشأة خلال العامين الماضيين.
في حين شهد العام 2022م مصادرة 26 ألف دونم بطرقٍ مختلفة، أعلن الاحتلال مصادرة 50 ألف دونم في عام 2023م، و46 ألفًا في العام 2024م.
وفي المقابل، تسارعَت خطوات توسيع الاستيطان والاستيلاء على الأراضي، ففي حين شهد العام 2022م مصادرة 26 ألف دونم بطرقٍ مختلفة، أعلن الاحتلال مصادرة 50 ألف دونم في عام 2023م، و46 ألفًا في العام 2024م، ترافَقَ ذلك مع المصادقة على مخططات أو إيداع مخططات للمصادقة اللاحقة؛ لبناء أكثر من 30 ألف وحدة سكنية استيطانية.
أما البؤر الاستيطانية التي باتت تشكل مكانًا للاعتداءات الجسدية والاعتداءات على الممتلكات، واستراتيجية لإفراغ الأراضي من الفلسطينيين وسيطرة الاحتلال على أوسع مساحات منها، فقد وصلت بحسب دائرة التوثيق في هيئة الجدار إلى 256 بؤرة، مقابل 180 مستوطنة، وقد أقيمت 69 بؤرة جديدة خلال العامين الماضيين مقابل 12 بؤرة جديدة فقط في العام 2022م.
وفي ظل اتفاق ائتلافي للحكومة الإسرائيلية، نصّ صراحةً على دعم الاستيطان وتسوية أوضاع البؤر الاستيطانية أو ما يسمى شرعَنتها، ورصد الموازنات الكبيرة للاستيطان وبنيته التحتية؛ فقد تم البدء بإجراءات تسوية أوضاع 18 بؤرة منذ إنشاء الحكومة.

وبدأت خلال الشهر الفائت لأول مرة خطوات عملية لشرعنة البؤر الرعوية، عبر تخصيص آلاف الدونمات لها لغرض رعي المستوطنين، تجاوزت 16 ألف دونم في شهر شباط/ فبراير الماضي، شرقي رام الله وغربها، وفي سلفيت شمالي الضفة، وأريحا شرقًا، وفي الأغوار الشمالية أيضًا.
كل تلك التطورات الكبيرة من توسيع وتسريع الاستيطان، وفي ظل ترسانة قوانين يقرها الكنيست لدعم ذلك، يطرح السؤال عن الفعل الفلسطيني المقابل.
على مدار سنوات ماضية قدّمت المقاومة الشعبية نماذج نجاح في عدد من المواقع المستهدفة من الاحتلال والمستوطنين، لعل أبرزها تجمع "الخان الأحمر" البدوي شرقي القدس، حيث فشل مخطط تهجير سكانه بعد اعتصامٍ مفتوحٍ بداخله عام 2018م.
الهجمة الاستيطانية الكبيرة بعد السابع من تشرين أول/ أكتوبر 2023م، لم يقابلها تحركات حقيقية، وبشكل خاص مما عرف على مدار سنوات بالمقاومة الشعبية.
لكن الهجمة الاستيطانية الكبيرة بعد السابع من تشرين أول/ أكتوبر 2023م، لم يقابلها تحركات حقيقية، وبشكل خاص مما عرف على مدار سنوات بالمقاومة الشعبية.
حالٌ يقول عبد الله أبو رحمة، مدير عام العمل الشعبي ودعم الصمود في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، إنه لطالما حذرت الهيئة من الوصول إليه منذ سنوات.
ويضيف لـ"نوى": "عملت الهيئة خلال أعوام مضت على تفعيل لجان الحماية أو الحراسة في عدة مواقع، لكن الدعوات كانت ولا تزال لأن تكون التحركات وتفعيل هذه اللجان بمشاركة فاعلة من المجتمع المحلي، والقوى والفصائل والمؤسسات، بالتوازي مع عمل الهيئة التي كانت طواقمها رغم محدودية عددها، تتحرك بشكل سريع إلى مواقع الهجمات الاستيطانية كلما حصلت"، مستدركًا: "لكن حركتها تقلصت بعد السابع من أكتوبر 2023م، بسبب الحواجز الإسرائيلية وتقطيع الضفة، وبسبب حجم الهجوم الشرس على الطواقم.
ويتابع أبو رحمة: "إن سياسة المستوطنين تغيّرت بعد اندلاع الحرب على غزة، بسبب الضوء الأخضر من حكومة الاحتلال، في ظل مشاركة متطرفين مثل "سموتريتس" و"بن غفير" في الحكومة، اللذَين كان لهما دور في إنشاء المجموعات الاستيطانية كـ"فتية التلال" و"تدفيع الثمن".
يرى أبو رحمة أن تغير طبيعة الاعتداءات، يتطلب تغييرًا في طبيعة المواجهة، وهو التركيز على التحركات على مستوى المناطق، بدلًا من التحرك من نشطاء الهيئة والمقاومة الشعبية بشكل جماعي، من كل المناطق تجاه نقطة مواجهة معينة.
وقد عقدَت الهيئة سلسلة اجتماعات؛ لتفعيل لجان الحراسة في مناطق عدة، ولاقت تجاوبًا في المناطق التي تمتلك الخبرة في ذلك وفي مواجهة الاحتلال والمستوطنين، لكن الأمر برأيه بحاجة إلى أكثر من ذلك، لا سيما الانخراط من قبل الفصائل الفلسطينية، والحركات الطلابية، والمؤسسات المحلية، مشيرًا إلى تراجع في دور الفصائل.
كان موسم الزيتون الماضي، مثالًا لإمكانية العمل رغم شراسة الاعتداءات، فقد وضعت خطة لمساندة المزارعين في المناطق المتضررة، والتحرك على شكل مجموعات مكونة من 100 إلى 150 شخصًا للمساعدة في القطاف.
وقد كان موسم الزيتون الماضي 2024م، مثالًا لإمكانية العمل رغم شراسة الاعتداءات، فقد وضعت خطة لمساندة المزارعين في المناطق المتضررة، والتحرك على شكل مجموعات مكونة من 100 إلى 150 شخصًا للمساعدة في القطاف، بمساندة متضامنين دوليين، وتمكنوا فعلًا -وفق أبو رحمة- من الإنجاز رغم المواجهات وإطلاق النار وعربدة المستوطنين.
وقد تمكنت المناطق التي كانت فاعلة في لجان الحراسة قبل الحرب، من مواصلة هذا الدور خلال الظروف الحالية، والنجاح في إفشال أهداف العديد من الاعتداءات، وهو ما يعني -بحسب أبو رحمة- ضرورة تعميم التجربة في كل المناطق.
من ناحيةٍ أخرى، لا يرى منسق اللجان الشعبية في الحملة الشعبية لمقاومة الجدار والاستيطان في الضفة الغربية سهيل السلمان، وجود خطة وطنية على مستوى الحكومة أو منظمة التحرير، لمواجهة هذا الواقع الكارثي، مشيرًا إلى اجتماعات متفرقة لكنها لم تجمع كل الفاعلين من مؤسسات، وفصائل، ومجتمع مدني، وجهات حكومية؛ للخروج بخطة شاملة.
ويشير إلى اجتماعات سبقت الحرب، كانت قد أكدت على ضرورة تعميم لجان الحراسة، ولكن بمشاركة فاعلة من موظفي السلطة الفلسطينية، وبشكل خاص أفراد الأجهزة الأمنية، ليس بصفتهم رجال أمن يحملون السلاح ويرتدون زيهم، بل كمواطنين عاديين ينشطون في مناطق سكنهم، "لكن ذلك لم يأخذ مكانه في التطبيق".
وبقيت لجان الحراسة بحسب سلمان مقتصرة على مناطق بعينها، لكنها أثبتت نجاعتها بشكل خاص في قرى جنوب شرقي نابلس وشرقي رام الله.
وفي حين يشير أبو رحمة إلى العمل الدؤوب بتقديم كل الإمكانيات للمناطق المتضررة، التي تتعرض للاعتداءات، وتعويضهم عن الخسائر، وفي أحيان إعادة بناء ما يهدمه الاحتلال، يرى السلمان أن خطة وطنية حقيقية تحتاج إلى رصد موازنات لهذه التجمعات السكنية الفلسطينية من أجل تعزيز صمودها.
"المطلوب تفعيل سياسات حكومية لا تتعلق فقط بجانب الاعتداءات أو احتياجات المزارعين، بل تحويل كل المناطق التي يسعى الاحتلال والمستوطنون "طاردة"، إلى بيئة جاذبة".
يقول السلمان: "هؤلاء المواطنين لم يختاروا أن يكونوا في مناطق (ج)، وإنما فرضت الاتفاقات عليهم ذلك"، في إشارة إلى اتفاق "أوسلو"، مطالبًا بتفعيل سياسات حكومية لا تتعلق فقط بجانب الاعتداءات أو احتياجات المزارعين، بل تحويل كل هذه المناطق من بيئة يريدها الاحتلال والمستوطنون "طاردة"، إلى بيئة جاذبة، عبر توفير الخدمات من عيادات ومدارس وعيادات بيطرية، وتوفير المياه بأسعار عادلة، "حيث يضطر سكان بعض المناطق في الأغوار لشراء كوب المياه بأكثر من 25 شيكلًا، بينما في مناطق أخرى يتراوح سعر الكوب بين 2.5 و5 شواكل.
وفي ظل توسيع المستوطنين محاولات السيطرة على الأراضي، بما لا يقتصر على المناطق التقليدية التي كانوا يستهدفونها كالتجمعات البدوية والأراضي الزراعية البعيدة عن التجمعات السكنية، واقترابهم أكثر فأكثر إلى القرى، وحصار أهلها، عبر حرمانهم من مساحات الزراعة، تبدو مطالبات إطلاق خطة وطنية لمواجهة الغول الاستيطاني أكثر إلحاحًا.
