غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
في "حاصل" صغير أسفل إحدى البنايات في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، كانت المواطنة لبنى السيد (27 عامًا) تطهو المعكرونة لأبنائها الخمسة، بينما زوجها ذهب لاستلام مساعدة إغاثية وصلته بشأنها رسالة على هاتفه الجوال من إحدى المؤسسات.
كانت فرحة رامي السيد كبيرة، "فأخيرًا سأحصل على مساعدة تسند عائلتي في ظل استمرار المجاعة وارتفاع أسعار المواد الغذائية" يقول، لكن ما حدث معه لم يكن في الحسبان.
بعد اصطفاف السيد في طابورٍ طويل أمام باب المؤسسة، صدم بالمسؤول يقول له "اسمك غير موجود لدينا، والرسالة وصلتك بالخطأ".
يقول: "ذهبت لاستسلام المساعدة بعد أن قضيت ليلة كاملة أنا وزوجتي نفكر فيما سيكون محتواها، أجبان، أو بقوليات، أو حليب للرضيعة؟ حتى أن زوجتي بدأت تخطط لتحضير وجبات للأطفال وفق ما ستستلمه بالطرد، لكنني بكل أسف لم أحصل على شيء ورجعت فارغ اليدين".
بعد اصطفاف السيد في طابورٍ طويل أمام باب المؤسسة، صدم بالمسؤول يقول له "اسمك غير موجود لدينا، والرسالة وصلتك بالخطأ".
كان رامي يعمل نادلًا في أحد المطاعم بغزة، بمتوسط راتب 1000 شيكل، أي ما يعادل 300 دولار، وبسبب الحرب، فقد عمله، وهُدِم المطعم، ونزَحَ إلى المنطقة الوسطى، ليبقى نازحًا حتى بعدما عاد الجميع، بسبب تدمير بيته بالكامل.
يكمل: "أسمع عن تسليم مساعدات ولا أحصل على شيء. لقد فقدتُ كل ما أملك، لكنني لم أحصل سوى على ثلاث سلال غذائية منذ ما يزيد على عامٍ ونصف، رغم أني أسجل في أي إعلان للمساعدات الإغاثية، وكل من أعرفه يحصل على مساعدات".
يبدي رامي حالة من التذمر والسخط على الواقع، واصفًا بعض المؤسسات الإغاثية بغزة، أنها تعمل وفق نظام الواسطة والمحسوبية، "وتمنح المساعدات لغير مستحقيها".

وفي ظل تفاقم الأزمة الإنسانية داخل قطاع غزة، يعتمد آلاف المواطنين على المساعدات الإغاثية لتلبية احتياجاتهم الأساسية، غير أن آليات توزيع هذه المساعدات لا تزال تواجه انتقادات حادة بسبب ما يصفه مواطنون بـ"العشوائية"، و"غياب العدالة"، و"المحسوبية" و"الواسطة".
غياب التنظيم والرقابة يزيد الأزمة
وبينما يواجه آلاف المواطنين الحرمان من الحصول على أية مساعدات، يحصل آخرون على فائضٍ منها ويعرضونها في الأسواق للبيع بأسعارٍ مرتفعة لا يقوى عليها المواطنون المطحونون في قطاع غزة، رغم أنها تصل مجانية للفئات المحتاجة.
ويواجه أطفال من عديمي الأهلية تدليسًا واضحًا في الحصول على مساعدات من قبل ناشطين، أو مبادرين ممن يستهدفون مخيمات النزوح.
في إحدى المخيمات بمنطقة دير البلح وسط قطاع غزة، كانت وداد أحمد تضرب كفًا بكف، وتربت على كتف طفلها بعد أن وعده أحد ناشطي العمل الإغاثي بغزة، بالحصول على مساعدة مالية، بشرط أن يقوموا بتصويره مع مجموعة من الأطفال، لكن فرحته لم تكتمل.
"لم يحصل سامر على المساعدة المالية، وما فهمته أن أحد الناشطين قام بتصوير زميله وهو يعطي خمسة أطفال مظروف النقود نفسه، وبعد انتهاء التصوير سحب المظروف منهم، وأخبرهم بأنه سيعود مرة أخرى".
تخبرنا: "بينما كنت أجلس في خيمتي الصغيرة وأقوم بتحضير رضعة الحليب لطفلي الصغير، جاءني سامر يخبرني بفرح، بأن أحدهم يريد تصويره ثم إعطاءه بعض المال".
وافقت السيدة على المبدأ، لا سيما في ظل الحاجة الكبيرة التي تعيشها في ظل المجاعة وغلاء الأسعار، وإغلاق المعابر المتواصل منذ أسابيع. تكمل بحرقة: "لم يحصل سامر على المساعدة المالية، وما فهمته أن أحد الناشطين قام بتصوير زميله وهو يعطي خمسة أطفال مظروف النقود نفسه، وبعد انتهاء التصوير سحب المظروف منهم، وأخبرهم بأنه سيعود مرة أخرى، ويجلب لهم مساعدة".
تعقب: "أمام ذلك الموقف لم يستطع الأطفال فعل شيء سوى البكاء، ولم يكن بوسعنا نحن الذين سمحنا بالتقاط الصورة إلا أن نبدي الندم لأننا وثقنا بأشخاص يبدو أن آخر همهم تقديم المساعدة".
تذمر المواطنين ودعوات للتدخل
وتبدي تذمرها كونها لا تحصل على أي نوع من المساعدات وهذا ربما ما دفعها للمواقفة على تصوير ابنها مقابل مساعدة مالية.
تكمل: "الحاجة والعوز كبيرين بعد أن فقدت زوجي في الحرب وأصبحت معيلة لستة من الأطفال. حتى المساعدات الإغاثية تذهب لغير أهلها غالبًا، هذه حقيقة، إذا لم يكن لديك معارف داخل الجمعيات، فلا تحلم بالحصول على شيء، هناك أشخاص يحصلون على مساعدات بشكل متكرر، بينما الفقراء لا يجدون شيئا".

وفي هذا السياق، طالب مواطنون التقتهم "نوى"، الجهات المختصة، بضرورة وضع آلية واضحة وشفافة تضمن وصول المساعدات إلى الأسر الأكثر حاجة، بدلاً من الاعتماد على التوزيع العشوائي الذي لا يراعي احتياجات السكان الحقيقية.
سليم صلاح، مسؤول التوزيع في جمعية إنقاذ المستقبل الشبابي بغزة، أكد أن كل مواطنٍ في قطاع غزة، هو بأمس الحاجة للمساعدات الإغاثية، كونه يعيش ظروف الحصار والمجاعة، "بمعنى إلغاء تصنيف غني أو فقير"، مستدركًا: "لكن تبقى هناك اعتبارات معينة ومعايير نتبعها كمؤسسات إغاثية، تفاضل بين المحتاج والأكثر احتياجًا".
وأوضح أنه بالنسبة لمؤسسته، فالتوزيع يتم بالتعاون مع مؤسسات دولية شريكة، "تعطي نظام الحصص، ونوزّع على أساسه"، مشيرًا إلى أن هناك مستحقين يحصلون على المساعدة كاستحقاق شهري وآخرون وفق خطة طوارئ، " وفق قاعدة بيانات بأسمائهم جميعًا".
"تواجه الجمعيات بغزة تحديات كبيرة، تتعلق في قصف مبانيها والعمل في نقاط نزوح داخل مخيمات، وافتقادها لحواسيب العمل، التي يوجد عليها أسماء المستحقين، وفقدان الاتصالات أحيانًا بالجمهور".
وأشار صلاح، إلى أنه ومن باب الشفافية يقومون بالإعلان عن رابطٍ للتسجيل، ثم الاختيار وفق محددات نظرًا للأعداد الكبيرة المسجلة، مثل: الأسر الأكثر عددًا، وتلك التي ليس لها معيل، ووجود أطفال، أو وجود مرضى وذوي إعاقة.
وأنكر وجود محسوبية في التوزيع "على الأقل في المؤسسة التي أعمل بها"، مؤكدًا أنهم يقومون بفلترة أسماء المستحقين لديهم، "فمن خلال التعاون مع المؤسسات الشريكة، نحصل قاعدة بيانات تحدد من استلم سابقًا، ومن لم يستلم، وطبيعة المساعدة التي حصل عليها أيضًا، حتى لا يتم تكرار حصوله على نفس المساعدة وحرمان آخرين منها".
وبرر أي خلل في توزيع المساعدات من قبل جمعيات الإغاثة في قطاع غزة، وجمعيته على وجه الخصوص- بقوله: "تواجه الجمعيات بغزة تحديات كبيرة، تتعلق في قصف مبانيها والعمل في نقاط نزوح داخل مخيمات، وافتقادها لحواسيب العمل، التي يوجد عليها أسماء المستحقين، وفقدان الاتصالات أحيانًا بالجمهور. هذا كله قد يُحدثُ خللًا في التوزيع لدى البعض، مما يخلق بعض العشوائية".
الجميع أمام المسؤولية
وتعقيبًا على شكاوى مواطنين مستحقين، من عدم حصولهم على المساعدات الإغاثية، لا سيما الغذائية منها، قال المتحدث باسم المكتب الإعلامي الحكومي بغزة، إسماعيل الثوابتة: "في ظل الوضع الإنساني الحرج الذي يعيشه قطاع غزة نتيجة العدوان والحصار الظالم المستمر، ومع استمرار تدفق المساعدات عبر المؤسسات الإغاثية المختلفة، فإن ضمان وصول هذه المساعدات بعدالة وشفافية لكل الفئات المحتاجة، يمثل تحديًا حقيقيًا يستدعي تكاتف الجميع، لا سيما في ظل عدم تدخل الحكومة في عملية التوزيع، وفتح المجال الكامل للمؤسسات الإغاثية للقيام بواجبها دون قيود".
وأضاف: "الحكومة بغزة ساهمت بشكل كبير في فتح المجال لتسهيل عملية تشكيل لجان شعبية مناطقية، تضم وجهاء المجتمع، وممثلي المؤسسات المحلية، ومختصين في العمل الإغاثي، ومبادرين مجتمعيين. سهلت تحركاتهم وأعطتهم الحرية للعمل، بحيث تعمل هذه اللجان وفق أسس مهمة، منها: تنظيم ومتابعة قوائم دقيقة للأسر الأكثر احتياجًا بناءً على معايير شفافة تُقرّها المؤسسات الإغاثية، لضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها الفعليين دون تمييز أو محاباة".
وأشار إلى أن الجهات الحكومية بغزة، تقوم بالتنسيق المباشر مع المؤسسات الإغاثية لضبط آليات التوزيع، ومنع الازدواجية أو الفوضى، موضحًا أن المجال مفتوح أمام الجميع؛ لتشكيل لجان مجتمعية تخدم أبناء الشعب الفلسطيني في ظل هذه الظروف القاسية.
بينما أكد في معرض حديثه أن تحقيق العدالة في التوزيع هو مسؤولية جماعية، وأيضًا "مسألة غير سهلة في ظل تشابك الظروف المعقدة في قطاع غزة"، موضحًا أن التكاتف الشعبي هو السبيل الأمثل لضمان وصول المساعدات لمستحقيها، بعيدًا عن العشوائية والازدواجية للوقوف في وجه التحديات.
