غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
"قبل أيام فقط انتهينا من إصلاح ما تبقى من منزلنا بنيّة العودة إليه، ولكن يبدو أنه لن يُكتب لنا ذلك"، تقول نور بحرقة، واصفةً عودة القصف الجنوني لكافة المدن والأحياء بغزة بـ"الصفعة"!
تخبرنا: "كنا نفكر -على استحياء- بأن نشتري للأطفال ملابس العيد؛ لنعوضهم عن ما عاشوه ورأوه خلال 15 شهرًا في الإبادة، ولكننا اكتشفنا أن الأعياد ليست لغزة. كنا نحاول العيش شبه حياة في أرضٍ محفوفةٍ بالدم، ولكننا وجدنا أن الموت وحده هو ما نعيشه. عالمٌ كامل لا يريد لنا سوى الموت والإبادة والذل والتهجير"، متسائلة بصوتٍ يملأه الوجع: "أين المفر؟ نحن ليس لدينا خيار، وليس أمامنا طريقٌ مفتوح إلا واحد: نحو السماء بعيدًا عن كل هذا الظلم".
نور، الأم لثلاثة أطفال، تحدثت لـ"نوى" عن مخاوفها في أولى اللحظات التي عادت فيها "إسرائيل" لتهاجم الناس في القطاع ضمن حرب الإبادة التي تشنّها منذ السابع من أكتوبر/ تشرين أول لعام 2023م.
نور، تحدثت بلسان مئات الآلاف من الفلسطينيين، من شمالي القطاع حتى جنوبه، تحديدًا في المناطق الشرقية القريبة من الحدود، والشمالية أيضًا، ممن بلغهم أمرٌ من الاحتلال بإخلاء منازلهم التي تُقصف أصلًا على رؤوسهم في محاولة لتهجيرهم.
في ليلة الـ18 من مارس/ آذار، قامت طائرات الاحتلال الإسرائيلي بشن غاراتها على ما قالت إنه "200 هدف" استخدمت خلالها 120 طائرة، ما أدى إلى استشهاد نحو 400 فلسطينيًا ما بين نساء وأطفال ومسنين ورجال، كانوا يظنون أنهم آمنين في منازلهم وخيامهم ومراكز الإيواء نظرًا للاتفاق المبرم بينهم وبين فصائل المقاومة الفلسطينية.
"مع الناس. كنت أجري مع الناس، وين بجروا أنا بجري، والسما بتضوي من شدة القصف ونحن نصرخ".
"وين نروح؟" كان أكثر سؤالٍ يرهق الفلسطينيين وما زال، تحدثنا نهى فرحات أنها ظنت أنها لن تسأله مجددًا، لكنها منذ اللحظات الأولى بعد إجبارها على النزوح من شرق حي الشجاعية، حملت طفليها تحت السماء الملغمة بالطائرات، التي كانت تلهب الأجواء، فتكسر بالنار عتمة الخراب، دون أن تعرف لها وجهة، وتضيف: "مع الناس. كنت أجري مع الناس، وين بجروا أنا بجري، والسما بتضوي من شدة القصف ونحن نصرخ".
وتشرح أنها عند ضربات القصف الأولى، لم تستوعب ما يجري، كانت تكذب على نفسها بأنها في كابوس، إلا أن الحقيقة ضربتها حين وصل منزلها المدمر بعض الشظايا جراء القصف، بالقرب من منطقة وادي العرايس شرقي غزة.
تخبرنا نهى أنها وبعد نزوح لأكثر من 20 مرة في مدينة غزة طوال عام ونصف، عادت إلى منزلها واستصلحت منه غرفتين للمعيشة بسبب تدميره بشكل جزئي، وتزيد: "رغم كل ما عشته أنا وأسرتي، كنت سعيدة لأنني استطعت استصلاح جزءٍ من المنزل بدلًا من الخيام التي ذقنا العذاب فيها بكل أشكاله، فرحت لأن لي جدار أستند إليه، لكن حتى هذا لم يعد موجودًا بعد استئناف الحرب".
كذلك يقول أحمد المصري، الذي خيل له بأنه استقر في خيمة على ركام منزله في بيت لاهيا، رغم صعوبة العيش هناك دون ماء ولا أي أساس من أساسيات الحياة.
يخبر "نوى"، أنه أمضى وأسرته ليلة كاملة في الشارع. كان أطفاله الخمسة يبكون من شدة الخوف والبرد، لم يستطيع فك خيمته وحملها لانزلاق الأمور دفعة واحدة من قبل الاحتلال، كان الضرب كثيفًا ومرعبًا، جعل كل جيرانه يركضون نحو المجهول، المهم أن ينجو بأرواحهم وأرواح أطفالهم الذين لم يكفوا عن الصراخ.
لا زال الرجل يتساءل: "وين نروح؟" لم يعد له ولا لأيٍ من أقاربه منازل. لا أماكن آمنة أصلًا في قطاع غزة، لا مال لديه لشراء خيمة أو قطع من الشوادر لصنع شيء يشبه الخيمة!
لا زال الرجل يتساءل: "وين نروح؟" بعدما نزح مرتين خلال استئناف الإبادة، لم يعد له ولا لأي من أقاربه منازل. لا أماكن آمنة أصلًا في قطاع غزة، لا مال لديه لشراء خيمة أو قطع من الشوادر لصنع شيء يشبه الخيمة، بل حصل على مجموعة من الأغطية بمساعدة بعض الناس في منطقة المقوسي؛ لإحاطة نفسه وأسرته من البرد القارس، الذي يضرب القطاع في هذه الفترة.
يسير أحمد في شوارع غزة ويسأل نفسه "كيف للإنسان أن يكمل؟ أين يمكن للإنسان هنا أن يذهب ويهرب بأولاده من الإبادة؟ حتى التعايش فوق الركام لم يعد ممكنًا بعد استئناف الحرب.. وين نروح؟".
وبحسب وزارة الصحة الفلسطينية، ارتفعت حصيلة الشهداء منذ بدء حرب الإبادة في السابع من أكتوبر/ تشرين أول 2023م إلى 49747، في حين وصل عدد الإصابات إلى 113213.
