غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
"ماء نار" قالها الأسير المحرر محمد نواف أبو طويلة، وصمتَ طويلًا. "ماء نار" كررها، وهو غير قادرٍ على تصديق ما حدث لجسده، الذي ذابت تفاصيله بفعل هذه المادة الحارقة، التي رشها عليه جنود الاحتلال بعدما اعتقلوه من وسط مدينة غزة، في مارس 2024م.
يتساءل الرجل بقهر: "كيف يحتمل جسد إنسان هزيل، تعرض للضرب والتعذيب ماء النار؟!"، متابعًا: "شعرتُ أنني احترقت. شعرت أن جلدي يذوب. أخاف من كل لحظة أغمض فيها عيناي، فأتذكر ما جرى لي مجددًا".
أبو طويلة، هو أحد أبناء حي الشجاعية، وهو أب لطفل كان عمره شهرين عندما اعتُقل، فلما خرج وجده ابن عام ونصف! ابنه كبُر ومشى أولى خطواته، نمت أسنانه، بينما لم يعرف معنى أن يكون له "بابا" يحمله ويدور فيه تحت سماء رحبة دون أن تمطر صواريخ وقذائف.
في تفاصيل الاعتقال، يخبرنا أن أول ثلاثة أيام من الاعتقال، احتُجز بمبنى داخل غزة وحده دون أي معتقلين غيره، لم يتوقف الجنود على التناوب عليه من أجل ضربه وشبحه، كانوا يحققون معها ويسألونه عن الأسرى الإسرائيليين بغزة، سألوه عن المقاومين وأماكن تواجدهم، سألوه أيضًا عن مكان تواجده صباح السابع من أكتوبر لعام 2023م.
وبالتزامن مع التحقيق، يقول محمد إن "الجنود كانوا يطفئون سجائرهم بأنحاء مختلفة من جسده، ضربوه على عينه وأحدهم يرتدي قفازات فيها مسامير أدت إلى إصابته فيها بشكل مباشر"، مردفًا: "لم يكتفوا هنا، بل قاموا بجلب وعاء وضعوا فيه مواد كيماوية تستخدم بالتنظيف، منها "سائل جلي الصحون، وكلور، وماء النار الذي يعرف بمادة الأسيد"، ثم سكبوها على جسده وعينه المصابة.
"نقلوني لاحقًا إلى معتقل سديه تيمان، كنت مقيد اليدين ومغمّى العينين. كانوا يضربوني على جرحي بعيني بشكل مستمر، والألم يزيد وتكاد روحي تنقبض جراء هذا".
ويضيف: "نقلوني لاحقًا إلى معتقل سديه تيمان، كنت مقيد اليدين ومغمّى العينين. كانوا يضربوني على جرحي بعيني بشكل مستمر، والألم يزيد وتكاد روحي تنقبض جراء هذا".
التعذيب في سجون الاحتلال الإسرائيلي يمارس على مراحل، بحسب محمد وعشرات الأسرى المفرج عنهم، يبدأ من الخامسة فجرًا حتى العاشرة مساءً، بوضعية جلوس معينة تقسم الظهر نصفين، وحين يطلب أحد الأسرى أن يرتاح قليلًا، فإنهم ينتقمون منه بالإمعان أكثر وإطالة مدة الجلوس وهو مغمى العينين أيضًا، ناهيكم عن الكلاب الذين يسمح لهم الجيش بالانقضاض على الأسرى ونهشهم.
وبالنسبة لأبو طويلة، فقد تم نقله بعد ثلاثة أشهر إلى سجن عوفر في رام الله، وبالطبع فإن الأوضاع لم تكن أحسن حالًا، بل تمتد ساعات الحرمان من الطعام والماء إلى أيام، وكذلك العلاج الذي يمنع على الأسرى مهما تفاقمت أوضاعهم الصحية.
"هل توقعت أن يطلق سراحك؟"، يجيب الرجل: "برغم كل الأسى الذي مر علي، كان لدي أمل بسيط بفرصة تحررني، كنت أواسي نفسي بالقول "لا بد للقيد أن ينكسر".
أفرج عن أبو طويلة ضمن المرحلة الأولى من صفقة التبادل بين "إسرائيل" وفصائل المقاومة الفلسطينية، في الـ15 من فبراير عام 2025م. يصف: "كان بمثابة يوم ميلاد جديد، وهذا أمر متفق عليه بين كل الأسرى، كأن الإنسان عاد حيًا من موت".
بقدر الفرح الذي عاشه الأسير في اللحظات الأولى من تحرره، إلا أن تلقيه نبأ استشهاد والده وزوجته قبل خروجه بأربعة أيام شكل له صدمة وكسر مشاعر السعادة.
وعن ردة فعل عائلته عندما شاهدت وضعه يوم الإفراج، يخبرنا: "الجميع صُدم بما حدث لي، بكوا كثيرًا، يعرفون أن الأسرى يتعرضون للتعذيب، لكنهم كانوا يحاولون إبعاد الفكرة عن عقولهم طوال الوقت، ولم يتخيلوا أن أعود إليهم بهذا الشكل".
"كنت مثل الدينمو، أشبه المكوك في عملي كميكانيكي، لكنني اليوم رجل لا أعرف طعمًا للنوم، لا أعرف راحة في الجلوس، لا أستطيع العمل، لم يعد لي منزل ولست قادرًا على فعل أي شيء".
يتحدث عن نفسه قبل الحرب فيقول: "كنت مثل الدينمو، أشبه المكوك في عملي كميكانيكي، لكنني اليوم رجل لا أعرف طعمًا للنوم، لا أعرف راحة في الجلوس، لا أستطيع العمل، لم يعد لي منزل ولست قادرًا على فعل أي شيء، كل لحظة في حياتي أشعر بالتدمير. قتلوا حياتي بمعناها الحرفي".
ولا يعرف محمد نسبة الرؤية بعينه المصابة، لا يرى بها جيدًا، قال له الأطباء إنه يحتاج عمليات جراحية، ولا يعرف بعد ما قدرة مستشفيات غزة على الاهتمام به أمام كوارث الإبادة، "فهل تعرفون أحدًا يستطيع مساعدتي على العلاج؟" ختم حديثه متسائلًا بحرقة.
