زينةٌ "خجول" لوجه المدينة المدمر: "نُرمّم قلوب أطفالنا"
تاريخ النشر : 2025-02-27 16:38

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

في رمضان غزة، يبدو وجه المدينة منيرًا. تضاء الشوارع والساحات والحارات الصغيرة، وتتزين واجهات المنازل بأحبال إضاءة ملوّنة. هكذا كان المحاصرون يرفعون عناوين الفرح، بغض الطرف عن الظروف المحيطة، لكن في زمن الإبادة الذي سحق كل محاولات العيش، اختلفت الصورة تمامًا!

لا أجواء للفرح وسط زحمة الحزن، ولا زينة! على بسطات بدائية أمام محلات تجارية طالتها نيران القصف الإسرائيلي، يحاول الباعة استقطاب الناس، لشراء "زينة رمضان".

يغرونهم بأضواء تعتمد على بطاريات قابلة للشحن، لا على الكهرباء المقطوعة عن القطاع من عام ونصف. هنا تقول أماني السقا -الأم لأربعة أبناء: "أصر أطفالي كي أشتري زينة رمضان. وجدت فيها مساحةً لفرحٍ افتقدته عائلتي طوال فترة الإبادة".

دُمر منزل أماني خلال قصف مربعٍ سكني، لكنها عادت إليه بعد رحلة نزوحٍ طويلة، واستصلحت جزءًا منه، وقررت العيش فيه بدلًا من الخيمة التي رافقتها بما حملته من ذل وخوف وجوع وبرد وحر، وكادت أن تحترق بهم بعد استهداف مجاور في مواصي خانيونس جنوبي قطاع غزة.

"تمنيت لو كانا حولي، لكنت زينت الخيمة حتى بأبسط الإمكانيات. كان أطفالي ينتظرون قدوم رمضان من أجل هذه الطقوس، لكن الأكثر حزنًا بالنسبة لي أن ذكرى استشهادهم أيضًا تأتي في رمضان".

وتضيف: "من أجل أطفالي قررت شراء حبل إنارة، وبعض المطبوعات التي يمكنهم إلصاقها على الجدران المتهالكة تُشعرهم بشهر رمضان، بعد الذي قضوه في النزوح تحت النار".

وتشير أماني إلى أنها تعلق هذه الزينة التي وصفتها بـ"المتواضعة" على خجل، بسبب الظروف التي يمر بها الأقارب والجيران الفاقدين لأبنائهم وبناتهم، لكن من أجل أطفالها فعلت. رغم ذلك تشعر بالذنب.

"يا ليت ضلّوا أولادي وأجيبلهم أحلى زينة"، بهذه العبارة علقت فادية نعيم على الموضوع بعد استشهاد طفليها في الحرب، وتابعت: "تمنيت لو كانا حولي، لكنت زينت الخيمة حتى بأبسط الإمكانيات. كان أطفالي ينتظرون قدوم رمضان من أجل هذه الطقوس، لكن الأكثر حزنًا بالنسبة لي أن ذكرى استشهادهم أيضًا تأتي في رمضان".

تشعر فادية أن أمر الزينة ضروري لأي منزل يتواجد فيه أطفال، "وبعد كل الظروف التي مرت عليهم فإن أبسط ما يمكن فعله لإخراجهم من جو الحرب المستمرة وإن كان بصورة مؤقتة، هي إشغالهم بطقوس رمضان وشراء الفوانيس لهم" تضيف.

بخلاف فادية، ترفض ميساء شحادة النظر إلى بسطات الزينة، بل تستغرب من قدرة الناس على ما أسمته بـ"التعايش مع كل ما حدث"، قائلة: "أنا عن نفسي لا أستطيع ولا أجرؤ على شرائها، لا من أجل الصغار ولا الكبار. أنا ما زلت أسيرة الحرب، أخشى عودتها بأي لحظة، لا أستطيع العيش بشكل طبيعي، أفكر مئة مرة بأبسط غرض يمكنني شراؤه ودائمًا أتساءل: هل سأحمله معي في محطة النزوح القادمة؟".

"الإقبال لا يذكر أمام ما كانت غزة تعيشه قبل بدء حرب الإبادة، بل إن الناس اليوم باتت تدخل في صراعات علنية لتقديم أولوياتها من المشتريات حتى على صعيد الغذاء".

من جهته يقول أمير شمالي وهو أحد تجار الزينة: "إن الإقبال لا يذكر أمام ما كانت غزة تعيشه قبل بدء حرب الإبادة، بل إن الناس اليوم باتت تدخل في صراعات علنية لتقديم أولوياتها من المشتريات حتى على صعيد الغذاء".

ووفق الرجل، فإن الناس عادة ما تشتري الفوانيس وأحبال الإضاءة والمعلقات الرمضانية من أهلة ونجوم ومجسمات، لكن قدرتهم الشرائية باتت أضعف بكثير مقارنة في السابق، ذاكرًا أن الكثير من الزبائن يأتونه "مشان خاطر الصغار"، في فرصة لتعويض ما عاشوه جراء الحرب، وإشغالهم عن المشهد المحيط بهم من دمار وخوف.