"يتيمٌ" في حافلة الأسرى.. فوجئ بأهله ينتظرونه!
تاريخ النشر : 2025-02-16 14:21

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

"لم أتوقع أن أخرج حيًا"، هكذا بدأ بوصف ما يراه هو "معجزة"، أن يعود حيًا لا "جثة" بعد اعتقالٍ دام عامًا وأكثر، "هذا بحد ذاته لا يُصدق" يقول الأسير المحرر ماهر أبو عمرو.

خلال فترة اعتقاله ظلَّ يرى اليُتم نصب عينيه، بعدما أخبره الجنود ضاحكين أن عائلته كلها أبيدت عن بكرة أبيها. مرّ عامه كالجحيم، تمامًا بلونٍ يشبه ما عاشه أهل غزة تحت النار وفوق سيول الدم المتدفقة من أجساد الشهداء.

في السادس عشر من كانون الثاني/ نوفمبر لعام 2023م، اعتُقل الرجل عند حاجز "نتساريم"، الذي أقامه جيش الاحتلال الإسرائيلي في وسط قطاع غزة، وصار بمثابة فخّ للنازحين. "قال الاحتلال إنه ضمن المناطق الآمنة، لكنه في الحقيقة كان مرتعًا للموت والدمار والاعتقال والتفرقة بين القلوب والأحبة. هناك مارسوا أبشع أشكال التنكيل والتعذيب بحق النازحين إلى جنوبي القطاع" يضيف بحرقة.

في التفاصيل، يروي ماهر أن جنود الاحتلال أجبروه على خلع ملابسه بشكل كامل، واقتادوه بعيدًا عن الحاجز بضعة مترات، مغمى العينين ومكبّل اليدين، إلى أن ارتطمت قدمه بقدم رجل آخر ظن أنه يسمعه، فراح يسأله بعدما شعر أن الجنود ابتعدوا قليلًا: "هل كتبوا شيئًا على ظهرك؟".

كان الجنود قد خطّوا على ظهر ماهر عبارةً ما، فخشي أن تكون سبب مقتله. سأل الرجل الذي اصطدم به دون أن يراه، لكن الإجابة جاءته بعد ساعات، ومن رجلٍ آخر كانت العصبة قد أزيحت عن عينه بعض الشيء: "الأرض مملوءة بالجثامين".

"عند حصول أحد الأسرى على حبة مضاد حيوي، فإنه يقوم بتفتيتها وتوزيعها على أشد الأسرى مرضًا، في سبيل تخفيف آلامهم".

يضيف: "في السجن أُجبرنا على سب الإسلام والمسلمين والنبي عليه السلام، تعرضنا للضرب والقمع والتنكيل، كُبّلت أيادينا لأيام، كان الطعام شحيحًا وكذلك المياه، تعرضنا للإهانة وانتشرت الأمراض دون السماح لنا بالحصول على العلاج إلا بشكلٍ ضئيل".

ووفق المُحرر، فإنه عند حصول أحد الأسرى على حبة مضاد حيوي، فإنه يقوم بتفتيتها وتوزيعها على أشد الأسرى مرضًا، في سبيل تخفيف آلامهم، خاصةً وأنها تعد "عملة نادرة" تُمنع عن الأسرى إلا في حالات استثنائية، "وحتى المريض الذي يحصل عليها قد يتعرض للضرب بقوة، كي يستحقها بنظر الجنود" يزيد.

"أصيب جميع الأسرى بـ"الجرب" جراء قلة أدوات النظافة، ومنع الدواء، تعمد السجانون نقل بعض الأسرى إلى أقسام أخرى لم يكن بها أحد مصاب، من أجل نقل العدوى إليهم".

يذكر ماهر أنه كان متواجدًا فيما يعرف بقسم "ب"، حيث أصيب جميع الأسرى بـ"الجرب" جراء قلة أدوات النظافة، ومنع الدواء، وهو أمر مفتعل في سجون الاحتلال الإسرائيلية، بالإضافة إلى تعمد السجانين نقل بعض الأسرى إلى أقسام أخرى لم يكن بها أحد مصاب، من أجل نقل العدوى إليهم، وتفشيها بينهم.

ويزيد: "كنت أنا من شدة تعبي أزحف ولا أقوى على السير، تطور الأمر واستفحل بيننا حتى ظهرت على أجساد بعضنا الدمامل، التي تحتاج إلى عمليات جراحية".

استحدث الأسرى بعض الطرق لقطب جروحهم، طرق قاسية، لكنها من الخيارات المحدودة جدًا أمامهم، عندما وجدوا عن طريق الصدفة سلكًا، فقاموا بطرقه بالأرض ليصنعوا منه شيئًا يشبه الإبرة، وخيطًا مستخرجًا من الأغطية، وبطريقةٍ ملتوية فإنهم يحاولون معالجة بعضهم، ومحاولة الحد من نزيف الدم الذي يتلذذ جنود الاحتلال به متدفقًا من أجسادهم الهزيلة.

لم تتوقع عائلة ماهر أن يعود إليها "حيًا"، وكذلك ظن هو أن كل عائلته باتت في عداد الشهداء، لا يتوقف عن لمس أكتافهم، وتحسس وجوههم التي اشتاقها خلال فترة اعتقاله، وكان لقاؤها أمنية حياة بالنسبة له.

لا يستطيع الرجل اليوم، وصفَ النفَس الأول خارج حدود سجون الموت، أشعة الشمس، الفضاء الواسع، إنها الحرية.. أعظم ما ينعم به المرء ولا يدرك قيمته "إلا من عاش تحت الاحتلال" يختم.