غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
كان "إبراهيم" يجلس في منزله "آمنًا"، يشاهد أفلام الكرتون التي اختارتها له أمه؛ لتشغله عما يحدث في طولكرم.
رفعت الأم صوت التلفاز مرارًا، لعلها تغطّي أصوات الرصاص في الخارج، لكن ذلك لم يُجدِ نفعًا، عندما اكتشفت العائلة أن الجنود وصلوا "حارة الحمّام"، حيث بيتهم وحياتهم كلها هناك.
في الخارج، علت أصوات صرخات النساء، فالاقتحامات لم تكن لمقار عسكرية، بل لشوارع، ومحال، وبيوت! كان كل شيءٍ في الخارج يدفع ابن العشر سنوات كيٍ يتخذ زاوية، يجلس فيها القرفصاء، ويدفن بين ركبتيه رأسه، بعد أن يغطّي أذنيه خوفًا.. كيف وصف الأمر؟
"عشرات الجنود أطلقوا النار علينا لإجبارنا على الخروج، هربنا أنا وإخوتي الكبار، اعتقلوا بابا، خرجتُ ولم أستطع أخذ حقيبتي، ونمتُ وأنا أفكر بكراسة الرسم التي أهداني إياها".
قال: "شيء لا يُشبه حتى أكثر أفلام الكرتون رعبًا، الجنود مدججين بالأسلحة، يفجرون أبواب المنازل ويدخلونها عُنوة، لا يهمهم إن كان فيها أطفال أم لا، الأهم لديهم أن تُخلى من أصحابها، وهذا ما حلّ بنا".
وأضاف: "عشرات الجنود أطلقوا النار علينا لإجبارنا على الخروج، هربنا أنا وإخوتي الكبار، اعتقلوا بابا، خرجتُ ولم أستطع أخذ حقيبتي المدرسية، نمتُ وأنا أفكر بكراسة الرسم التي أهداني إياها أبي قبل أيام قليلة، وكتبي ودفاتري وأقلامي".

الحزن بين الأطفال المُهجّرين من منازلهم مشترك في طولكرم، صار الذهاب إلى المدرسة والعودة إلى المنزل بمثابة أمنية، لم يعد للأطفال منازل، وكذلك تحوّلت المدارس إلى مراكز إيواء، قصّة ثانية تشرحها لنا الطفلة لينا.
تبلغ الطفلة من العمر (12 عامًا)، عاشتها في حارة "المربّعة" في مخيم طولكرم، تحدثت بقهر وغضب: "اقتحم جنود الاحتلال منزلنا، أخرجونا منه وأحرقوه أمام أعيننا، قتلوا قطتي بعدما أطلقوا النار عليها وهم يضحكون، أجبرونا على السير من شوارع ممتلئة بقوات الجيش والآليات العسكرية، ومنعونا من حمل أيٍ من أغراضنا".
"لم أتخيل يومًا أن الصفوف المدرسية سوف تتحوّل إلى "بيوت" مؤقتة لإيوائنا".
سارت الطفلة مع أفراد أسرتها تحت وابل من الرصاص وزخات المطر أيضًا، كان البرد قارسًا، لا مأوى لهم إلا في المدرسة! "لم أتخيل يومًا أن الصفوف المدرسية سوف تتحوّل إلى "بيوت" مؤقتة لإيوائنا" تعلق.
تحرم لينا اليوم من حقها في التعليم، من العيش في منزلها، من لقاء أصدقائها وصديقاتها، تتخيل أطفال العالم الذين يستطيعون الذهاب إلى مدارسهم بحرية، وتقارن الأمر بوضعها حين أُجبرت على العيش في المدرسة التي تطبع فيه اليوم أقسى لحظات حياتها في التهجير والتغييب القسري عن منزلها.
"ضيعوا عمر الأطفال وأنا منهم في تفاصيل القتل والتهجير والنزوح المتكرر والاقتحامات المتواصلة، لم أعد أفكر بمستقبل، كل ما أفكر فيه هل سأعيش ليوم غدٍ؟ هل سأعود لمنزلي؟".
أما الطفلة فوزة عواد، من مخيم طولكرم أيضًا، تروي تفاصيل مشابهة لاقتحام المنزل وإجبار عائلتها على النزوح، فتقول: "كنا نحو ١٠ أطفال في المنزل، ظننا أن هذا سيشفع لنا لكن من دون جدوى، أجبرونا على النزوح وسلوك طريق ملغمة بقوات الاحتلال".
ولفوزة جدّة كبيرة بالعمر تعاني الضغط والسكر، لم يتحمل قلبها الهش ما جرى، فأُغمي عليها بالطريق حتى وصل الإسعاف، وقام بنقلها إلى المستشفى، بينما سار أحفادها وأمهاتهم إلى مدرسة تؤويهم.
تنتشر قناصات الاحتلال في كل أرجاء المخيم، وتتسبب بحالة من الشلل التام في الحركة، وكافة مناحي الحياة.
تحكي الطفلة: "ضيعوا عمر الأطفال وأنا منهم في تفاصيل القتل والتهجير والنزوح المتكرر والاقتحامات المتواصلة، لم أعد أفكر بمستقبل، كل ما أفكر فيه هل سأعيش ليوم غدٍ؟ هل سأعود لمنزلي؟ هل تبقى لي منزل أصلًا؟".
ومنذ بدء العدوان الإسرائيلي يعيش مخيم طولكرم، واقعًا مأساويًا من التدمير والتهجير والمعاناة الإنسانية، نتيجة فرض الاحتلال حصارًا خانقًا على المخيم، وإغلاق كافة مداخله الرئيسة وعدد من الطرق المؤدية إليه.
وتنتشر قناصات الاحتلال في كل أرجاء المخيم، وتتسبب بحالة من الشلل التام في الحركة، وكافة مناحي الحياة.
وبحسب وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، فقد أدّى العدوان الإسرائيلي على الأهالي في شمالي الضفة الغربية إلى تهجير أكثر من 40 ألف فلسطيني.
