الضفة الغربية/ شبكة نوى- فلسطينيات:
بينما تحوم طائرات الاحتلال الإسرائيلية، المحملة بالقنابل والرصاص، بين بيوت المدنيين العزل في مخيم جنين، وفوق رؤوسهم، تستمر رحلة النزوح القسرية الكبيرة لسكّانه، الذين بات الموت يحيط بهم من كل جانب هناك.
مشهدٌ قريبٌ تمامًا مما حدث في غزة، مشهدٌ أعاد نفسه في جنين. قناصةٌ فوق أسطح المنازل، وشوارع ملغمة بطائرات الكواد كابتر، وشوارع تجثم فوق صدرها الجرافات التي نشبت براثنها في جدران البيوت، وسحقتها بكل ما فيها من حياةٍ وذكريات، ومئات يسلكون طريقًا قال الاحتلال -كما فعل في غزة- أنه "آمن"، لكنه معبدٌ برائحة الدم والبارود، وتضج فيه أصوات الأطفال الذين كانوا يبكون بأصوات ذويهم.

اليوم، يدخل اجتياح مدينة جنين ومخيمها يومه الثالث والعشرون، وبينما هناك يوغل الاحتلال بأبشع عمليات القتل والتنكيل والتدمير الممنهج، يعيش النازحون ظروفًا قاسية، تؤكد أن "التهجير" أساس الخطة الإسرائيلية.. لكل مدن فلسطين.
وأجبر الاحتلال منذ بدء عدوانه في جنين، أكثر من 20 ألف فلسطيني على ترك بيوتهم، وحاراتهم، ومحلاتهم التجارية، والتوجه نحو مناطق يزعم أنها آمنة، في ذات الوقت يرونها هم "المجهول بعينه".
وبحسب بلدية جنين، فإن 35-40% من الأحياء لا تزال محرومة من المياه نتيجة عمليات التدمير، وخروج أهم بئر للمياه "السعادة"، عن الخدمة منذ اليوم الأول للعدوان، مما أدى إلى انقطاع المياه عن أحياء جبل أبو ظهير، وخلة الصوحة، والهدف، ووادي برقين، وجزء من حي الجابريات، والزهراء، والبساتين، والمحطة.
وخرجت عائلة أحمد الحواشين، من منزلها في مخيم جنين، إلى منطقة أخرى داخل المخيم، لكن وبسبب "خطورة الأوضاع"، قرروا الانتقال إلى خارجه.
يقول: "توجهنا إلى دوار العودة غربي المخيم، ووجدنا مركبة هناك تتبع للهلال الأحمر الفلسطيني، وبقربها ثكنة للجيش داخل أحد المنازل"، موضحًا أن طائرة مسيرة إسرائيلية، استمرت تحوم فوقهم طوال مسيرهم باتجاه مدخل المخيم.
يخبرنا: "طلب منا الجنود عندما وصلنا تقسيم أنفسنا إلى مجموعات، كل واحدة مكونة من خمسة أشخاص، ثم صورنا بواسطة آلة تصوير؛ للتدقيق في هوياتنا، وتحديد المطلوبين"، مؤكدًا أن أي مشتبه به بالنسبة لهم، يتم اعتقاله على الفور، أو الاعتداء عليه قبل ذلك.
وقد سمح الاحتلال منذ بدء اجتياح المخيم للسكان بالخروج منه (نزوحًا)، خلال ساعات محددة من اليوم، وعبر طريق معينة تتمركز فيها القوات الإسرائيلية، وتخضع فيها الهويات للتدقيق.
ووفق الحواشين، فإن غالبية الأهالي غادروا بسبب عدم توفر الكهرباء والماء والغذاء في المخيم.
وقال أحد النازحين -رفض التعريف بنفسه- "اضطررنا للخروج بسبب كثافة إطلاق النار والقصف الجنوني"، مشيرًا إلى أنه شاهد بأم عينيه أثناء خروجه رجلًا وامرأة مصابان عند مدخل حارة الدمج داخل المخيم.
استمرت رحلة النزوح الجماعية لأهالي المخيم، بمن فيهم الأطفال والنساء وكبار السن، وذوي الإعاقة أيضًا، دون أن يسلموا من تهكم وسخرية الجنود، وشتائمهم.
وأضاف: "اعتقلوا أشخاصًا من النازحين، وأخضعوا آخرين للتحقيق وقتًا طويلًا قبل الإفراج عنهم"، في حين استمرت رحلة النزوح الجماعية لأهالي المخيم، بمن فيهم الأطفال والنساء وكبار السن، وذوي الإعاقة أيضًا، دون أن يسلموا من تهكم وسخرية الجنود، وشتائمهم وألفاظهم النابية.
وبدأ جيش الاحتلال في 21 يناير/كانون الثاني الماضي، عدوانًا عسكريًا على شمالي الضفة، استهله بمدينة جنين ومخيمها وبلدات في محيطهما، مما أدى إلى استشهاد 25 فلسطينيًا، وفق وزارة الصحة الفلسطينية.
تلا ذلك توسعة العدوان نحو مدينة طولكرم في 27 يناير/كانون الثاني، حيث استشهد 5 فلسطينيين، في حين بدأ الاحتلال في الثاني من فبراير/شباط الجاري عملية أخرى في بلدة طمون ومخيم الفارعة بمحافظة طوباس، لينسحب بعد 7 أيام من طمون ويواصل عمليته في مخيم الفارعة.
أكدت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، أن دولة الاحتلال الإسرائيلي شردت نحو 40 ألف مواطن فلسطيني من مخيمات اللاجئين شمالي الضفة الغربية.
أونروا: "العمليات المتكررة والمدمرة، جعلت مخيمات اللاجئين الشمالية غير صالحة للسكن؛ ما أدى إلى حصار السكان في نزوح دوري".
وقالت "أونروا" في بيان لها اليوم الثلاثاء، إن "التهجير القسري للتجمعات الفلسطينية يتصاعد بوتيرة مثيرة للقلق".
وأضافت أن "عمليات التهجير بدأت في مخيم جنين، واستمرت نحو ثلاثة أسابيع، وهي حاليًا الأطول في الضفة الغربية منذ الانتفاضة الثانية، وقد امتدت إلى مخيمات طولكرم ونور شمس والفارعة".
وأوضحت أن آلاف العائلات الفلسطينية هُجِّرت قسرًا منذ أن بدأت قوات الاحتلال تنفيذ عمليات واسعة النطاق في الضفة الغربية في منتصف عام 2023.
وبينت أن العمليات المتكررة والمدمرة، جعلت مخيمات اللاجئين الشمالية غير صالحة للسكن؛ ما أدى إلى حصار السكان في نزوح دوري.
وأشارت "أونروا" إلى أن أكثر من 60%، من النزوح في عام 2024م، كان نتيجة لاقتحامات الاحتلال.
