غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
"من صمد تحت النار سنة وثلاثة أشهر، لن يقبل بأن يخرج من غزة ولو على جثته" يقول المسنّ حسني سلمان لـ"نوى".
هي ليست مجرد كلمات، بل حديث من القلب نزفه الحاج، وهو يحكي عن صمود مدينته العتيدة وأهلها طوال الإبادة. يخبرنا: "حتى لو كانت الهجرة آخر الخيارات، أفضّل الموت على فعلها"، ثم يبتسم بتهكّمٍ وسخرية ويكمل: "نحنا ما رضينا نترك الشمال وننزح عالجنوب، وهي هي غزة، بدكم إيانا نترك البلد إلهم؟".

لقد دوّن الرجل وصيته على ورقة، وأعطاها لأحفاده، قبل إعلان وقف إطلاق النار بغزة، وأوصاهم أن يحفظوا ما فيها، فيما لو استشهد جراء القصف، "فهذه بلادنا العزيزة وإن جارت علينا".
ليس مجازًا، بل حقيقة؛ فعلها الرجل والعشرات غيره ممّن بقوا في الشمال، ومن عادوا إلى غزة بعد النزوح الذي أجبرتهم عليه قوات الاحتلال الإسرائيلي. هنا يزيد سلمان: "قديمًا قالوا: من طين بلادك حط على خدادك، وطين غزة يعني لي الكثير، أنا قبّلته، ومخطط ترامب لن يمر، لكن ربما هذه فرصة ليدرك العالم قيمة غزة، التي طلبت أن تستولي عليها أكبر دولة في العالم، لكن هذا لن يحدث.. مهما كانت قوية".
ويتابع: "منذ اللحظات الأولى بعد تصريحات ترامب، بدأتُ أسعى لتثبيت الناس فوق ركام منازلهم المدمرة، بأقل إمكانيات تعزيز الصمود، الغزاوي لن ترحب به غير بلاده، وهذا نعلمه جميعًا".
ترى السيدة أنها أخطأت في النزوح إلى جنوبي القطاع خلال فترة الحرب، "كانت المناطق الآمنة محض خدعة، وكذلك ستكون فكرة التهجير المؤقت".
وأثار إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، حول خطة الولايات المتحدة الأمريكية للسيطرة على قطاع غزة بعد إعادة توطين الفلسطينيين في أماكن أخرى، ردود فعل واسعة، حيث عبر آلاف الفلسطينيين عن رفضهم التام لأي فكرة تهجير خارج أرضهم، مطالبين بوضع حد لما وصفوها بـ"الخرافات" التي صرح بها الرئيس الأمريكي.
من جهتها، تقول نعمة شويدح: "من دون شك أتمنى فيما لو يتم فتح معبر رفح البري، وتسهيل سفر الناس، لكن ليس للهجرة. أن تكون لنا حرية التنقل، والسفر، والتعرف إلى ثقافات العالم ودوله المختلفة، لكن أبدًا ليس للهجرة"، مؤكدة بأن تصريحات ترامب أثارت في نفسها مخاوف عظيمة، وخشية من منعها من العودة في حال قررت السفر يومًا للعلاج بالخارج أو حتى أخذ استراحة بسيطة مما عاشته تحت حرب الإبادة.
ترى السيدة أنها أخطأت في النزوح إلى جنوبي القطاع خلال فترة الحرب، كون الاحتلال خدع الناس حينما تذرع بوجود مناطق آمنة، وسياسته بنظرها لن تختلف عن سياسة أمريكا، التي تدعي اليوم بأنها ستنقل سكان غزة إلى خارجها من أجل حياة أفضل، ولأن وجودهم في القطاع خطر بعد تدميرها، وهذا ضروري من أجل إعمارها.
"ما عاشه أهالي قطاع غزة تحت الحرب طوال الفترة الماضية، جزء من المخطط الذي بدأ بالعمليات العسكرية التي أثبتت فشلها، لذلك اتخذ الاحتلال سياسة جديدة بجعل بيئة غزة طاردة للحياة".
ويتفق الشاب مهند كحيل مع نعمة، إلا أنه يشعر بتوتر وضغط نفسي كلما تداولت وسائل الإعلام تصريحات ترامب، قائلًا "أنام وأصحو وأنا أفكر بالموضوع، بل صرت أحلم فيه، وأول ما أفعله عندما أفتح عيني على نهار جديد هو البحث عن أي خبر مضاد لهذا المخطط".
ويزيد: "ما عاشه أهالي قطاع غزة تحت الحرب طوال الفترة الماضية، يبدو أنه جزء من المخطط الذي بدأ بالعمليات العسكرية ومع ذلك فشل، لذلك اتخذت سياسة جديدة بجعل بيئة غزة طاردة للحياة عبر تشديد الحصار الإسرائيلي، حتى مع انتهاء الحرب، أو بالأحرى مرور المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار".
كذلك يرى مهند بأن "الغزاوية" ليسوا سذجًا، بل هم أناس واعون تمامًا لفكرة التهجير، وبالتالي سوف لن تمر المخططات السياسية التي تسعى إليها أمريكا بمشاركة "إسرائيل"، "سيتصدون للفكرة، فهم الذين عاشوا ويلات التهجير عام 1948م، وذاقوا ويلاتها عام 2023م حتى يناير 2025م"، وإن كانت داخلية لكنها بنظره "درس للعمر".
