غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
"نحن رفاق الموت في غزة، استُخدمنا كطُعم، اتُخذنا ذرائع بشرية، كل ما كنا ننتظره.. الموت فقط"، إنها النتيجة التي توصّل إليها طلال الزعانين، وهو فلسطيني نجى "بجسده" من حرب الإبادة الإسرائيلية ضدّ سكان قطاع غزة، ولم ينجُ بذاكرته.
ذات يوم، تحوّل الرجل إلى آلة بأيدي جنود الاحتلال الذين اقتحموا مناطق شمالي القطاع، يفحص لهم الأماكن إذا ما كانت مفخخة أم لا، ويرافق الطائرات المُسيّرة التي تُوجَّهُ من قبل الجيش الإسرائيلي. تسير فوق رأسه لتتحدث بصوت الجنود، تطلق رصاصها يمينًا ويسارًا لتنذره إذا ما فكّر بمخالفة الطريق، أو الطريقة! "والموت مصيري بكلّ الأحوال" يقول.
طلال كان واحدًا من الفلسطينيين الذين آثروا البقاء على النزوح، وكان من الذين يدركون تمامًا أن مصيره واحد، سواءً كان في "شمال وادي غزة أو جنوبها" حسب تقسيم "إسرائيل" التي أوهمت الناس بالمناطق الآمنة.
يضيف: "يقتلوننا في الشمال ويقتلوننا في الجنوب، وأحلى الخيارات المُرة أن أمضي في منزلي وفي بلدتي بيت حانون، لكنهم حتى هذا المرار قد أعدموا منطقه بالنسبة لي".
يتحدث طلال عن أيامه الأخيرة في بيت حانون، حيث أجبر على النزوح عاريًا ينزف، وحيدًا بين أرتال الدبابات الإسرائيلية، وزخّات الرصاص الذي صبّه الجنود نحوه على مراحل.
يشرح المشهد بقوله: "كنا نحو 50 شخصًا بين نساء ورجال في منطقة واحدة، جمعونا ثم أطلقوا سراح النساء ليسيروا باتجاه مدينة غزة، بينما احتجزونا نحن الرجال، وقاموا بإغماء أعيننا قبل التنكيل بنا وتفريقنا، بقينا 6 أشخاص، ثم أصبحنا ثلاثة".
"عبر الكواد كابتر وجهونا للدخول إلى مدرسة غازي الشوا، عرفنا حينها أننا دروع بشرية. أجبرونا على الدخول إلى الصفوف الدراسية قبل الجنود".
سار طلال وشخصين آخرين وأعينهم محكمة الإغلاق بفعل خرقة سوداء ربطها الجنود على عيونهم. كانت المسافات طويلة -هذا ما يتذكره- ولم يكونوا على علم بالوجهة التي ينطلقون نحوها، كانوا يسمعون أصوات حركة الدبابات والكواد كابتر التي توجههم بمرافقة الجنود، الذين يستهزؤون بهم ويشتمونهم، حتى وصلوا إلى مدرسة غازي الشوا في البلدة، بعد تنقلهم باتجاه عدة أماكن.
يضيف: "عبر الكواد كابتر وجهونا للدخول إلى مدرسة غازي الشوا، عرفنا حينها أننا دروع بشرية. أجبرونا للدخول إلى الصفوف الدراسية قبل الجنود، نفتح كل صف على حدة، ونتفحص إذا ما كان هنالك أحد".
"الجنود كانوا يدفعونني ورفاقي إلى السير لأماكن محددة، يطلبون منا تفتيش المنازل، وليس مجرد الدخول إليها، بل البحث بين أثاثها عما لو كانت هناك متفجرات".
بعدها بساعات -يخبرنا- "كانوا يسمحون لنا بمشاهدة هدم البيوت بأم أعيننا، بيوت الناس وممتلكاتهم التي أضحت رمادًا يُشبه الطحين، من دون مبالغة أكوام المنازل كانت تشبه الطحين بسبب التدمير".
يكمل طلال: "الجنود كانوا يدفعونني ورفاقي إلى السير لأماكن محددة، يطلبون منا تفتيش المنازل، وليس مجرد الدخول إليها، بل البحث بين أثاثها عن أية متفجرات، أو للتأكد أنها غير مفخخة بهدف تأمين أنفسهم".
ومن ثلاثة أشخاص إلى شخص واحد، فجأة لم يجد الرجل سوى نفسه، قالوا إنهم أطلقوا سراحه، منحوه الأمان ووجهوه لسلوك طريق معينة، أخذوا يشتمونه ويدفعونه للسير، أخبروه بأن يحمل بيده خرقة بيضاء كي لا يُستهدف من جنود غيرهم في نقطة ثانية.
سار زحفًا لمسافة ليست قليلة، غابت عن باله تفاصيل الأماكن والشوارع التي تحوّلت إلى رماد.. "لا معالم لمناطق الشمال التي نسفت بالكامل".
يزيد: "أطلقوا النار علي، جرحت يدي وشعرت أن عظامها تكسّرت، ثم أصابوني برصاصة أخرى بكتفي، كنت أردد الشهادة وقلت إني مت فعلًا، حتى نادوني مجددًا وأنا أنزف، أجبروني على النهوض وخلع ملابسي كاملة، ثم طلبوا مني السير باتجاه منطقة حددوها لي".
كل ما يذكره طلال أنه سار زحفًا لمسافة ليست قليلة، غابت عن باله تفاصيل الأماكن والشوارع التي تحوّلت إلى رماد بشكل كامل، لم يتبق منازل، لم يتبق أشجار ولا شوارع، لا معالم لمناطق الشمال التي نسفت بالكامل.
وصل بعد ساعات إلى منطقة تُسمى بـ"القرم"، قريبة من شارع صلاح الدين، قام مجموعة من الشبان بنقله إلى المستشفى العربي المعمداني على عربة يجرها الدواب. لا يُصدّق أنه نجا للمرة الثامنة من الاستهداف، فلا شيء كان يصدق تحت هذه الحرب، كل ما يعيشه الفلسطينيون في الإبادة استثناء، وقصة نجاته ليست سوى صدفة واستثناء -يؤكد-.
