15 "شهرًا".. 15 "عامًا" من عمر أطفال غزة!
تاريخ النشر : 2025-01-20 15:59

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

"كل شيء مرتب بمنتهى الدقة والجمال. لقد كانت طاولتي جميلة للغاية، وعليها صندوق بلاستيكي يحتوي على كل أنواع وأشكال الخرز، ويضم إكسسواراتي الصغيرة الملونة" تقول الطفلة فاطمة إياد لـ"نوى".

تخبرنا والدتها أن فاطمة ابنة السنوات الثمانية، تسأل عن الطاولة كل صباح: "هل ما زالت موجودة؟ وهل سأجدها في مكانها عندما أعود إلى البيت؟"، في وقتٍ لم يكن أمامها فيه سوى طمأنتها بأن غرفتها على حالها، وأنها لم تتعرض لأي قصفٍ أو أذى.

ابنة السنوات الثمانية، تسأل عن الطاولة كل صباح، "هل سأجدها في مكانها عندما أعود إلى البيت؟"، في وقتٍ لم يكن أمام أمها فيه سوى طمأنتها بأن غرفتها على حالها".

وتضيف: "كانت تقضي وقتها بشكل شبه يومي في صناعة الأساور والخواتم لها ولصديقاتها في المدرسة، وكان أعظم إنجازاتها ربط العقدة الأخيرة"، مشيرةً إلى أن واقع الأطفال كلهم اختلف اليوم، "ولا أدري كيف ستمضي الفترة القادمة بدون بيت، بدون غرفة، وبدون طاولة ولا خرز ربما" تعقب.

تقضي فاطمة وقتها اليوم في اللعب المستمر أمام الخيمة "مسكن العائلة الجديد"، حيث نزحت عائلتها قبل تسعة أشهر، وبدلًا من الخرز الملون، صار صديقها الرمل والطين، تصنع منه كرات بعد عجنه بالماء، وتصمم بيوتًا تشبه بيت عائلتها الذي دمرته طائرات الحرب، ولم تعرف هي بذلك بعد.

هكذا تبدل حال أطفال غزة، الذين سيعود معظمهم إلى شمالي القطاع بعد نزوحٍ استمر لخمسة عشر شهرًا دون أن يجدوا بيوتهم على حالها. سيعودون على نفس الأثر، خيمة، وجالونات مياه، وشحن هواتف وطعام تكايا أيضًا!

في صباح كل يوم، تخرج الطفلة راوية اللوح (10 أعوام) للعمل. تنادي وهي تسير بين الخيام وعلى الطريق العام: "يلا يا غريبة.. بشيكل يا غريبة.. طازة (طازجة) يا غريبة (نوع من الحلويات)".

راوية التي أصبحت فجأة مسؤولة عن مساعدة والدتها في توفير بعص المال؛ لسد احتياجاتهم، بعد أن أجبرتهم قوات الاحتلال على التوجه قسرًا نحو الجنوب دون والدها، تتمنى لو أن كل هذا التعب اليومي ينتهي، وأن تستيقظ من نومها في ظل هذا البرد وقتما تشاء.

"أنا أكبر واحدة بخواتي، وكان لازم (يجب) أنا إللي (التي) أطلع أبيع، وأحيانًا أختي الأصغر مني بتيجي معي".

سألتها "نوى" عن حالها، كيف كان قبل الحرب، فأجابت: "ولا مرة بحياتي خلتني (جعلتني) ماما أشتغل، كنت ألعب بمطبخي الخشبي الصغير أنا وأختي. كنا كتير مبسوطين".

وتابعت: "أنا أكبر واحدة بخواتي، وكان لازم (يجب) أنا إللي (التي) أطلع أبيع، وأحيانًا أختي الأصغر مني بتيجي معي".

ويعيش نحو 17 ألف طفل في قطاع غزة بدون والديهم أو أحدهما، جراء الحرب على غزة، حسب المكتب الإعلامي الحكومي.

ومن الوقوف في طابور المدرسة الصباحي المنظم إلى طابور المياه الطويل، هكذا تحولت حياة الفتى حمزة أبو عيادة (14 سنة) منذ بداية الحرب.

على "حمزة" أن ينهض كل يوم صباحًا؛ ليحجز له مكانًا في طابور المياه، وإن لم يفعل لن تجد عائلته مياه للشرب.

"حمزة" الذي أُرهق كثيرًا من هذه المهمة الشاقة، قال: "أكتر شيء أمقته جلب المياه، فحمل الجالونات متعب، وملابسي تبتل، فيصيبني البرد، كما أن الانتظار في الطابور وحده مرهق، وأضطر خلاله لتحمل تدافع الناس وأحيانًا شتائمهم".

وتابع: "بعدها أذهب برفقة أختي إلى تكية الطعام لأجلب حصة لنا، وإلا فلن نأكل".

يتمنى حمزة لو أنه يعود لبيته اليوم، وينتظر بفارغ الصبر يوم العودة، "اشتقت كثيرًا للمدرسة والحياة الطبيعية، رغم أنني أعرف أن ما زال الطريق طويلًا ليصلنا هذا الشعور وقد هدم بيتنا وسنبقى في خيمة مدة طويلة".

واستدرك: "ليتني أعود للنادي الرياضي، وألعب الكاراتيه الذي أحبه. ليتني أرى كل أصدقائي هناك، أعانقهم جميعًا وأرتاح من عذاب الحياة في الخيمة".

أم عبد الله اسليم، أم لستة أبناء، تحدثت بحسرة عما وصل إليه حال أطفالها، فقالت: "قبل الحرب كانت حياة أبنائي مليئة بالنشاطات والإنجازات. يشاركون في المراكز التدريبية ويمارس كل منهم هواياته، أما اليوم، فلا يستطيعون ممارسة أي هواية".

وأضافت اسليم التي نزحت من منطقة تل الهوا في مدينة غزة منذ اندلاع الحرب: "ابنتي تحب السباحة، وأنا كنت أشجعها على ذلك، وأتمنى أن تتقنها، لكن منذ اندلاع الحرب لا يوجد مكان تمارس فيه هوياتها، ولا حتى مدربين".

وأصبحت أكبر إنجازات الأبناء اليوم، وفق اسليم، هي من "يستطيع تعبئة أكبر كمية من المياه الحلوة، ومن يحضر الطعام من التكية".

"لم يكن ابني يسير حافي القدمين بالمطلق. اليوم لا أصدق أنه يفعل ذلك بدعوى أنه يخشى التزحلق أثناء تعبئة المياه أو انقطاع حذائه بسبب الازدحام الشديد".

وتابعت بحرقة: "لم يكن ابني يسير حافي القدمين بالمطلق. اليوم لا أصدق أنه يفعل ذلك بدعوى أنه يخشى التزحلق أثناء تعبئة المياه أو انقطاع حذائه أو ضياعه بسبب الازدحام الشديد، ومن الصعب الحصول على حذاء آخر".

واعتادت اسليم قبل اندلاع الحرب أن تسأل أبناءها عن إنجازاتهم خلال اليوم، ولكنها الآن لا تجد منهم أي إنجازات، "فلا وقت ولا إمكانيات ولا خصوصية لفعل أي شيء، وشخصياتهم تغيرت كثير وأصبحوا أكثر حدة وعصبية" وفق تعبيرها.

وتتابع: "بعد العودة وبناء البيت، سأيقن أن عامًا ونصف ضاع من حياة أبنائي بلا أي إنجاز، ولا أي فائدة. أحاول قدر المستطاع مساعدتهم في تعلم ما يفيدهم، اللغة الإنجليزية، أو الرسم، أو الهندسة، أو حفظ القرآن، لكنني أنتظر حقًا عودة الحياة الطبيعية بشكلها الحقيقي".