غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
تُصرُّ مشاعر الفلسطينيين منذ بدء الحديث عن وقف إطلاق النار، على أن تظل مكبوتة إلى حين إعلان الاتفاق.
ربّما سيفرحون إلى حدّ انهمار الدمع، ربّما سينهارون، سيحرقون الخيام بذكرياتها المريرة، سيزورون منازلهم "شقاء العمر" الذي أحرقته أيادي الجنود وسط ضحكات "اللذة"، سيلتقي الأحبة، وهناك من لن يجدوا في استقبالهم أحدًا.. تفاصيل كثيرة يتخيلها النازحون في مشهد العودة.. لكن كيف يرى الصورة "الفاقدون"؟
رصدت "نوى" بعض الآراء عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وأنصتت لضجيج الأفكار في عقولهم.. ماذا يقولون عن ترقبهم للحظة التهدئة؟
ترغب نجية -وفق تعبيرها- بإحراق ثوب الصلاة الذي التصق بجسدها حدّ الانصهار، كأنه بات جزءًا منها، ترتديه ليلًا ونهارًا، وقد شهد على انكساراتها، دعواتها الصامتة، ودموعها التي جفّت بين ثناياه.
نجية محمد، هذا هو اسمها في "فيس بوك"، قالت: "إنه مع اقتراب خبر التهدئة، لا أستطيع التفكير كما يفعل الآخرون بالبكاء أو الجري نحو الحياة. بداخلي غضب صامت، جامح، تحوّل إلى نار تتأجج، تسعى لالتهام كل شيء حولي".
ترغب نجية -وفق تعبيرها- بإحراق ثوب الصلاة الذي التصق بجسدها حدّ الانصهار، كأنه بات جزءًا منها، ترتديه ليلًا ونهارًا، وقد شهد على انكساراتها، دعواتها الصامتة، ودموعها التي جفّت بين ثناياه".
تريد نجية أن تحرق المعلبات والعدس الذي أصبح رمزًا للبقاء، الحذاء المهترئ الذي خاطته بيديها مرارًا، والشبشب الذي تشاركته كأنه إرث عائلي. تريد التخلص من كل شيء يشبه هذه حياة النزوح؛ الملابس التي أكلها الغبار حتى أصبحت سوداء، والحمام الذي فقد إنسانيته، والحطب والكرتون الذي جمعته لتخدع نفسها بالدفء.
وتزيد: "لو كان هناك بديل، لحَرَقت الخيمة بكل تفاصيلها، بكل ما حملته من برد وجوع وذكريات أثقل من قدرتنا على الاحتمال. أريد أن أُحرق المدينة كلها، بكل ركامها وبؤسها، كأن النار قد تكون وسيلةً للخلاص، وكأن الرماد يستطيع أن يدفن كل أوجاعنا ويعيد لنا القدرة على التنفس".
تتابع: "سيقولون عني مجنونة، مريضة، لكن الحقيقة أن كل من عاش هنا بات مريضًا. نحن نحمل جروحًا عميقة لن تلتئم أبدًا، ولن نتعافى مهما مرّ من الوقت".
حسين جابر، افتتح منشوره الأخير باسم طفلته الشهيدة "سلمى"، قائلًا: "يتساءل البعض: ما أول ما يخطر ببالك عند الإعلان عن وقف إطلاق النار أو الهدنة أو التوصل إلى صفقة؟ غالبًا ما يجيب الكثيرون بعبارات مزخرفة، محاولين إبهار الآخرين بكلماتهم المتكررة، التي لا تحمل أي مصداقية، بل هي مجرد جمل مكررة ومستهلكة. أما ما يخطر ببالنا، فنحن لا نفكر إلا في شهدائنا الذين فقدناهم، نبكيهم لأنهم لن يعودوا، ونحزن على أحلامهم التي قُتلت معهم. حقًا، النهاية تثير في نفسي خوفًا مماثلًا لبداية الحرب، فالنهاية تعني أن من غادر لن يعود أبدًا"!

وتكتب عبير مراد، أن جارتها في الخيمة المقابلة سألتها إذا ما كانت فرحة بعودتها القريبة إلى غزة؟ لكن الحقيقة بالنسبة لها أنها لم تشعر بأي شيء، لم تشعر بالفرح مطلقًا، ولا تتابع أخبار التهدئة، ولا تعنيها أبدًا.
تضيف عبير: "لقد توقف الزمن منذ فترة طويلة، عند آخر عهد بيني وبين أهلي، بين عمي زكريا، الذي كان الملجأ لنا، والحنان، عند محمد الممرض الإنسان، توقف الزمن عند آخر حضن لي مع محمد، أخي الهادئ اللين، في مشفى الشفاء يومها شعرت بأن فراقًا طويلًا سيكون بيننا".
توقف الزمن عند ابتسامة شقيقها أنس، ويده وهي تصافحها بحب، وكلمته "تأمريني يختي باشي، عينيا، حاضرين يختي..".
توقفت الحياة لدى الشابة، يوم جثت آخر مرة على ركبتيها بعد أن هدموا منزلها الذي بنته بكل ما تملك، وسنوات من القهر، والتعب.
توقفت الحياة لدى الشابة، يوم جثت آخر مرة على ركبتيها بعد أن هدموا منزلها الذي بنته بكل ما تملك، سنوات من القهر، والتعب لأجل أن يصل إلى هناك، توقف الزمن عند عمّها الذي وصفته بـ"الرائع الجميل مراد، المثقف، النابغة"، وهو يمازحها يومًا، عند كل لحظة قبل أن يكتب عليهم الفراق الأبدي.
تتساءل: "كيف سيكون العود، بدونهم؟ يارب أنت ترى قلبي، قلب أبي، قلب زوجة أخي، بناته، قلب حماتي، قلوبنا جميعًا. كن في قلوبنا يارب، طبطب عليها، هذا الحزن الجديد يهدنا".
وأما فراس أكرم، فقد باح "مع بوادر إعلان الهدنة" بما يختلج صدره، فقال: "تتسلل إلينا أحلام العودة إلى منازلنا، وكأنها اللحظة الأولى التي تلامس فيها أمانينا أرض الواقع، بعد خمسة عشر شهرًا من الانتظار. لكننا لم ندرك أن هذه العودة لن تكون كما تخيلناها؛ فقد أثقلتها الدموع قبل أن تبدأ".
يرى الرجل قصة العودة مثقلةً بالحنين، ولكنها أيضًا محفوفة بالألم، "كأننا نعبر نحو جرح جديد، لم نكن نعلم أنه ينتظرنا.
يخبر فراس أصدقاءه في "فيس بوك"، بأنه وعائلته سيعودون ليواجهوا فراغًا خلفه الذين ارتحلوا شهداء. أولئك الذين رحلوا قبل أن تُلقى عليهم نظرة الوداع الأخيرة. ويزيد: "سنمشي في حطام ذكرياتنا، نبحث عن تفاصيلنا في بيوت طُمرت تحت الركام، حتى ملامح الأماكن التي كانت لنا يومًا، أصبحت غريبة عنا، كأنها لم تعرفنا قط".
يرى الرجل قصة العودة مثقلةً بالحنين، ولكنها أيضًا محفوفة بالألم، "كأننا نعبر نحو جرح جديد، لم نكن نعلم أنه ينتظرنا. العودة لن تكون خلاصًا، بل مواجهة مع ما تركناه خلفنا وما تبقى منا في هذه الأرض".
