غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
"في الحرب كل شيء ممكن، ما تخيّلناه وما لم نتخيله، ما لم يمرّ علينا في أسوأ كوابيسنا، مرّ فعلًا، عشناه، وتعايشنا معه وتقبّلناه رغمًا عن أنوفنا" يقول خالد نضال أبو ركبة (14 عامًا لـ "نوى").
لم يعد خالد طفلًا -هكذا يرى نفسه- تحت سيف قائمة المهام التي أوكلت إليه في الإبادة! يشعر وأن عمره زاد 100 عام -يخبرنا- بعد أن صار مسؤولًا عن خمسة أفراد (هم عائلته) بعد استشهاد والده في قصفٍ إسرائيلي، استهدف مخيم جباليا شمالي القطاع.
يفزع خالد اليوم "النزوح" في منتصف الليل، أكثر ما يفزعه القصف! عندما تنذرهم طائرات الموت الإسرائيلية بضرورة الخروج من منازلهم بإسقاط صاروخٍ أو أكثر فوق رؤوس السكان النائمين.. "والمحظوظ هو من ينجو في هذه اللحظات" يضيف.
"عدم وجود الأب في ظروف الحرب مأساة، وخبر موته صدفة غصّة يحملها قلب صغير، اكتوى بنار الفقد التي لا تنطفئ".
يقول خالد: "لن أنسى ما حييت ليلتنا الأخيرة في جباليا. اشتدت وتيرة القصف بصورة جنونية دفعتنا للخروج دون تفكير، كل شيء من حولنا يتساقط بفعل الضربات. كانت الأصوات مرعبة والشظايا تتناثر في كل مكان، قادتنا أرجلنا إلى حيث يركض الناس، من جباليا إلى مدينة غزة سيرًا على الأقدام، تحت سماءٍ تُنار بنيران الاحتلال فقط".
ويضيف: "رفض أبي الخروج من المنزل، استطعنا التواصل معه لمرة واحدة أوصاني فيها بالاهتمام بأمي وشقيقاتي، قطع الاتصال حينها، ثم عرفنا صدفةً أنه أصيب، وبعد فترة من الزمن وصلنا خبر استشهاده".
يصف الحياة من دون أب بأنها "موت"، "فعدم وجوده في ظروف الحرب مأساة، وخبر موته صدفة، غصّة يحملها قلب صغير اكتوى بنار الفقد التي لا تنطفئ".
منذ ساعات الفجر الأولى تبدأ مهام نضال أمام المخبز لتوفير بعض الأرغفة التي تسد رمق أسرته، ثم يبدأ فصول رحلة أخرى في البحث عن المياه للشرب والاستخدامات الأخرى، ثم عن الحطب لإشعال النار وتجهيز الطعام في ظل انقطاع الغاز منذ عام، نتيجة تشديد الحصار الإسرائيلي على غزة.

يشعر الطفل بأن ظهره سوف ينشقُّ إلى قسمين أمام هذا كله. يتذكر والده الذي كان يشاركه مهام الحرب، يظن أنه هيّئه لهذه اللحظة، يخبرنا: "كان يصحبني إلى السوق في الآونة الأخيرة، يُعرفني على الناس، يجعلني أقوم بأمور كان لا يقبل أن يقوم بها غيره، كان يرشدني إلى كيفية التعامل مع شقيقاتي".
كان لخالد وأسرته منزل، له أب وله أم وشقيقات، كان طالبًا في المدرسة ولديه أصدقاء يحبهم ويحبونه، صار اليوم بلا منزل، وبلا أب، بلا مدرسة ولا أصدقاء، صار صاحب مسؤولية ومصاريف ومعيل وسند لشقيقاته.
أكثر ما يزيد حالته النفسية سوءًا، هو أنه لم يعرف طريقة استشهاد أبيه، لم يعرف تفاصيلها، لم يعرف تاريخ وموقع الحدث الذي استشهد فيه، لا قبر ولا جثمان ولا جنازة، خبرٌ عابرٌ سمعه صدفة وأكده الراوي من بعض العلامات التي تدل عليه فعلًا، "يا ليتها تنتهي، يا ليتنا ننعم بتهدئة أذهب فيها إلى جباليا للبحث عن جثمانه، أو حتى عظامه، فأدفنها بقبر يليق به" يختم خالد "ابن الحرب الذي كبر قبل أوانه" هكذا يصف نفسه.
