غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
"من ينجو من القصف، لن ينجو من مياه البحر"، ليست مجرّد مقولةٍ في مصيبةٍ وقعت، بل حقيقة يعيشها عشرات الآلاف من النازحين جنوبي قطاع غزة.
في بقع النزوح المختنقة بأنفاس الخائفين، أغرقت الأمطار النائمين تحت "أمان" الخيمة، واقتلعت أوتادها في ليلة قاسية البرودة، ثقيلة على قلوب الناجين من المقتلة الإسرائيلية، حتى اليوم!
في الشتاء الثاني الذي يمرّ على قطاع غزة تحت حرب الإبادة، التي تشنها "إسرائيل" منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول لعام 2023م، يحارب الفلسطينيون بشراسة لتثبيت خيامهم القريبة من شاطئ البحر في كافة مناطق "المواصي" وسط وجنوبي القطاع، حيث المنخفضات الجوية لا تمر "عادية" بل يصاحبها بالإضافة إلى الريح العاصفة، أمواج هدّارة، تسحب الخيام وأهلها معًا.

آمال عبدو نازحة من بلدة جباليا شمالي القطاع، أم لسبعة من الأبناء والبنات وجدّة لحفيدين، لم تجد مكانًا لنصب خيمتها إلا أمام شاطئ البحر غربي دير البلح وسط القطاع، كانت تظن أنها وأولادها استطاعوا تثبيت الخيمة جيدًا، لكنها لم تتوقع أن تصل المياه إلى داخل الخيمة فتغرقها هي وأولادها وأحفادها، في ليلةٍ غاب فيها ضوء القمر، وانقطع النور من شواحن هواتفهم.
تقول: "صوت المطر المنهمر فوق الخيام أيقظنا، بل شدة البرودة التي كانت تنخر بعظامنا لم تجعلنا ننام ساعة، قبل أن تباغتنا مياه البحر وتتسرب إلى الخيمة"، مضيفة "صرخت بصوتٍ وصل عنان السماء من قهري، قلت: يا رب خلّصنا من هذه العيشة، يا رب الموت أرحم من هذا العذاب فقربه منا".
وتتابع: "في منتصف الليل، حاولت انتشال ما يمكن انتشاله من الماء. كان الصغار يبكون، والجيران كل منشغل في خيمته ومصيبته، ظل الحال حتى انقشع سواد الليل وبدت الكارثة أوضح، خيام صارت في مهب الريح وأخذها البحر، فراش مبلل وأغطية لم تعد تصلح للاستخدام، كانت الوجوه مثقلة بالتعب والدموع حبيسة العيون، والسؤال الذي لم يتوقف منذ بدء الحرب على كل الألسن "وين نروح؟"".

أكرم عابد وهو نازح آخر يسكن خيمة مجاورة للشاطئ، يقول: "حصار شمالي القطاع، والتجويع، هما اللذان دفعانا للنزوح، لم نمت من القصف، لكن المطر اليوم قتلنا ونحن أحياء، فالخيمة التي ثبتناها وظننا أنها متينة طارت تحت العاصفة إلى البحر، لم يعد لي ولزوجتي المسنة خيمة، بل استضافنا أحد الجيران والماء تدلف فوق رؤوسنا من هنا وهناك".
لم يتماسك الرجل. أخذ يبكي ويسأل عن معنى الحياة ومعنى الإنسانية في زمن الإبادة، "لم يتبق شيء لم نعشه تحت الحرب، أين العرب؟ وأين الإنسانية التي يتغنى بها العالم؟ ألسنا بشر؟".
نسبة 81% من خيام النازحين أصبحت غير صالحة للاستخدام، وذلك بعد تلف 110.000 خيمة من أصل 135,000 خيمة بحاجة إلى تغيير واستبدال فوري.
أمام أكرم كانت هناك طفلة صغيرة لم تتجاوز العاشرة من عمرها، كانت تبكي بصمت وتتأمله، وحين سُئلت عن سبب بكاءها قالت: "نحن أيضًا دخلت مياه البحر خيمتنا، صارت الأرض عبارة عن طين من تحتنا، وشقيقتي كانت مبتلة، لم تجد أمي لها قميصًا واحدًا لتبدل ملابسها خوفًا من أن تمرض، اكتفت بلفها في بطانية إلى حين بزوغ النهار وجفاف ملابسها".
وبحسب المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، فإن قرابة 10000 خيمة جرفتها مياه البحر، وتعرضت للتلف خلال المنخفض الأخير.
وأضاف المكتب في بيان أنه "وفقًا لفرق التقييم الميداني الحكومية، فإن نسبة 81% من خيام النازحين أصبحت غير صالحة للاستخدام، وذلك بعد تلف 110.000 خيمة من أصل 135,000 خيمة بحاجة إلى تغيير واستبدال فوري، وعاجل، نتيجة اهتراء هذه الخيام تمامًا، ودخول المنخفضات الجوية وفصل الشتاء، وجرف أمواج البحر لآلاف الخيام.
