غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
خمسة عشر شهرًا من "الإبادة"، قضاها المصور الصحفي أيمن الجدي (27 عامًا)، في أروقة المآسي التي نالت من أهل قطاع غزة، ينقل القصص ويحاول إيصال أصوات الضحايا.. خمسة عشر شهرًا ينادي بصوت الناس أن "أنقذوا غزة"، إلى أن غدا نفسه "خبرًا"، بُث على الهواء مباشرة.
من خلف الكاميرا، إلى أمامها، احترق أيمن في باص البث المباشر التابع لقناة "القدس اليوم"، أمام أعين العالم كلّه، بينما كان ينتظر مولوده أمام بوابة مستشفى العودة في مخيّم النصيرات وسط قطاع غزة.
استشهد أيمن برفقة زملائه فيصل أبو القمصان وإبراهيم الشيخ خليل، وفادي حسونة، ومحمد اللدعة، فارتفع عدد شهداء الإعلام منذ بدء الحرب في السابع من أكتوبر/ 2023م إلى 201 بحسب المكتب الإعلامي الحكومي.
عن أيمن الصحفي الشهيد، تقول أمه: "كان تقيًا نقيًا، وفيًا لعمله ومخلصًا له بصورة لن تصفها غير طريقة موته، فهو لم يغادر الميدان، حتى في اليوم الذي تزوج به، دون أي مراسم للعرس احترامًا لدماء الشهداء، دون أغاني وزغاريد، دون زينة وتوزيعات للمعازيم، دون بيت! بل في خيمة وعلى فراش أرضي تبلّل في أول يومٍ أمطرت فيه سماء غزة".
لحظات المخاض مرّت قاسية على زوجته، كانت ثقيلة وموجعة، انتهت بفاجعة استشهاده، في اليوم ذاته الذي خرج الطفل فيه إلى نور الحياة، راح أبوه في نارها بفعل صاروخ إسرائيلي سقط دون أي مبرّر. ولماذا تبرر "إسرائيل" قتل خمسة صحافيين، بينما لم يراجعها أحد في قتل أكثر من 50 ألف فلسطيني في قطاع غزة.
تقول السيدة بحرقة: "لن يهم أي تبرير لماذا قتلوا الصحفيين، ولماذا يستمرون بذلك، إنهم يفعلون ما لن يُسألوا عنه يومًا، لماذا سيتوقفون؟".
وتضيف: "أسمينا صغيرنا أيمن تيمنًا بأبيه، عاهدنا جثمانه الذي ذاب وسط النار أن نحافظ عليه، وأن نجعله يمضي بمسيرة أبيه في حب غزة والانتماء إليها. أن يكون محبًا للخير وملبيًا لنداء أي أحد يطلب المساعدة".
"كان يتساءل: هل سأعيش لليوم الذي تلد فيه زوجتي؟ كان يتحسس بطنها ويقيس حجمه بالشبر، ويحسب الأشهر والأيام المتبقية لرؤية طفله، وكان يناديه "بلال" تيمنًا باسم صديقه الشهيد".
في حياة أيمن، كان دائمًا يتساءل، وفقًا لأمه: "هل سأكون أبًا؟ هل سأعيش لليوم الذي تلد فيه زوجتي؟ كان يتحسس بطنها ويقيس حجمه بشبر يديه. يحسب الأشهر والأيام المتبقية لرؤية طفله، وكان يناديه "بلال" على اسم صديقه الشهيد بلال رجب، الذي قتلته (إسرائيل) أيضًا، لكن القدر كتب للطفل أن يُسمى أيمن إحياء لذكراه هو".
هل توقعت استشهاده يومًا؟ تجيب الأم بأن أكثر ما كانت تخشاه سماع هذا الخبر، واصفةً ذلك اليوم بقولها: "كانت فاجعة للعائلة ولكل أحبابه"، مردفةً: "كنت في المستشفى لحظة القصف، لم يخطر ببالي حينها أن يكون هو وزملاؤه من استهدفهم الصاروخ (..) حين عرفت أن الاستهداف لصحافيين ركضت. شاهدت الباص، شاهدت ابني يحترق أمامي، شاهدت النار تشتعل بجسده وأجساد رفاقه، لم أستطع فعل شيء سوى الصراخ "أنقذوه يا عالم". كان جثمانه يذوب".
وتعقب بقهر: "ظن حبيبي أنه آمن، كان يحتمي من البرد القارس في باص البث، لكنهم قتلوه، قتلوا فرحته بابنه".
وتتابع: "كان من المفترض أن تكون لحظات فرح علينا جميعًا، لكنها تحولت إلى ندبة في حياة زوجته وحسرة للعمر كلّه. أن يكون يوم ميلاد الطفل هو ذاته يوم استشهاد أبيه، أن تصير أمًا في اليوم الذي سيطلق عليها فيه لقب أرملة".
ورفضت العائلة أن تخبر زوجته دانية باستشهاده في نفس اللحظة حفاظًا على وضعها النفسي في لحظات ميلاد طفلها.
تحكي الأم بحسرة: "أخبرناها لاحقًا، وها هي تعيش أوقاتًا قاسية، تعجز فيها حتى من التعبير عن ألمها. تظن أنها تمر بكابوس وأن أيمن سوف يأتي ليضمها وطفلهما، سوف يخبرها بأن الحرب انتهت وأنهما سيعودان إلى غزة".
ونزح أيمن برفقة عائلته، في أول أيام الحرب الإسرائيلية من بيتهم في حي الشجاعية شرقي مدينة غزة، وتزوج بعدها في خيمة، على عهد تأسيس منزل جديد، بدلًا من الذي دمرته طائرات الاحتلال الإسرائيلية.
تختم أمه اللقاء بدمعها: "نعرف أن ما من بيت في قطاع غزة إلا ومر عليه الفقد، ومن لم يكتوِ بنيران القصف، اكتوى بنار الفراق. نحن الآن نبحث عن طوق نجاة لإنقاذ من تبقى.. لأجل الأطفال الذين جاؤوا إلى هذه الدنيا تحت النار دون ذنب، سوى أنهم أبناء غزة".
