"ليزر" القنّاص وكلاب الجنود في ذاكرة طفلة.. فقدت النطق!
تاريخ النشر : 2024-12-30 09:39
الطفلة مريم أبو عودة

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

داخل المنزل الذي نزحت إليها عائلتها في مدينة النصيرات، وسط قطاع غزة، تجلس إيمان أبو عودة شاردة الذهن.

بين يديها طفلها البالغ من العمر ستة أشهر يبكي، بينما هي غارقة في تفكيرها بزوجها الذي لا تعرف عنه شيئًا منذ أجبرها جنود الاحتلال على النزوح بطفليها براء ومريم، وهي حامل، من بيتها في حي الزيتون، شرقي مدينة غزة.

"اعتقلوا زوجي، وجردوه من ملابسه، وعذبوه أمام أطفاله، وأطلقوا عليه الكلاب الشرسة، ثم أعطونا مهلة دقيقتين للرحيل، أو إعدامنا ميدانيًا جميعًا".

تنظر السيدة الثلاثينية ناحية حقيبة مدرسية قديمة، وتقول: "هنا خبأ طفلاي الكثير من الرسائل لأبيهم. أملهم كبير بعودته، في الوقت الذي لا أعرف أنا إذا كان سيعود أم لا".

بدأت الحكاية في الخامس من كانون أول/ ديسمبر، للعام 2023م، عندما حاصرت قوات الاحتلال منزل أبو عودة لمدة ثلاثة ليالٍ دونما ماءٍ أو طعام.

تحكي السيدة بحرقة: "اعتقلوا زوجي، وجردوه من ملابسه، وعذبوه أمام أطفاله، وأطلقوا عليه الكلاب الشرسة، ثم أعطونا مهلة دقيقتين للرحيل، أو إعدامنا ميدانيًا جميعًا".

سيرًا على الأقدام، بينما هي في نهاية شهرها الثاني من الحمل، مشت أبو عودة بطفليها حتى المخيمات الوسطى! "تحت المطر، وفي عز البرد. يرافني براء ومريم في منتصف الليل، بينما تتبعنا طائرة مسيرة، بمجرد أن نجلس لنستريح تبدأ بإطلاق النار علينا" تخبرنا.

خلال الطريق، صُدمت السيدة التي غابت في تفاصيل النزوح المر، وكان همّها النجاة بطفليها فقط، أن ابنتها مريم (5 سنوات) فقدت قدرتها على الكلام تمامًا.

"أصيبت بصدمة كبيرة من ما رأته، والدها المكبل، وكلاب الاحتلال، وذلك الجندي الذي سلّط ضوء الليزر الخاص ببندقية القناص باتجاه رأسها لمدة طويلة وهو يضحك".

تضيف: "أصيبت بصدمة كبيرة من ما رأته، والدها المكبل، وكلاب الاحتلال، وذلك الجندي الذي سلّط ضوء الليزر الخاص ببندقية القناص باتجاه رأسها لمدة طويلة وهو يضحك، بينما هي تختبئ في حضني وتصرخ".

وتذكر إيمان، صرخات براء الذي رفض المشي بدون والده في ذلك الليل! كان ينادي بعلو صوته "بدي بابا"، لكن الجنود بدأوا بإطلاق رشاشاتهم نحوهم، ما دفع بإيمان للإمساك بطفليها والمغادرة فورًا.

قبل أن تصل إيمان النصيرات، باتت ليلتها في مدرسة تؤوي نازحين بمخيم البريج. هناك عاشت أصعب لحظات عمرها، حينما ارتفعت حرارة مريم بشكل كبير، ولم تتفوه بعدها بحرف واحد.. "هنا أيقنتُ أنها أصيت بصدمة، وأنها فقدت القدرة على النطق تمامًا" تعقب.

بعد أن وصلت إلى بيت أهلها في العنوان الذي كانوا قد أخبروها عنه باتصالٍ هاتفي، بدأ براء بسرد تفاصيل ما حدث، وسط صدمة الجميع، بينما مريم تجلس وحدها في الزاوية صامتة! لا ترد إلا بأن تهز رأسها، أو تشير بإصبعها ناحية الشيء الذي تريده.

"بدأتُ بالحديث الطويل معها، أشاركها الرسم والتلوين، وأطلب منها أن تعبر بما تفكر. كنت أطلب من البنات في مثل سنها أن يأتين ليلعبن معها معظم الوقت".

تحكي أمها: "لم أكن أريد أن أخسر ابنتي أيضًا. أردتُ عرضها على طبيب نفسي لكنني لم أستطع في بداية الأمر. كان كل شيء صعبًا. بدأتُ بالحديث الطويل معها، أشاركها الرسم والتلوين، وأطلب منها أن تعبر بما تفكر"، متابعة: "كنت أطلب من البنات في مثل سنها أن يأتين ليلعبن معها معظم الوقت.. كانت فترة عصيبة للغاية".

بعد نحو شهر، تكللت جهود إيمان وعائلتها بأن سمعت كلمة "ماما" من مريم، بينما تحاول حتى الآن متابعة تدريبها على العودة إلى ما كانت عليه.

وسط سيل من الدموع الحارقة، تختم: "كل ما أتمناه الآن أن أطمئن على زوجي"، متسائلة: "ما ذنب هذا الطفل الذي ولد دون أن يرى والده؟ ما ذنب أطفالي في كل ما حدث؟".