"مقبرة" في قلب "محمد".. لكل شهداء "الشمال"!
تاريخ النشر : 2024-12-23 13:19

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

"يُدفن الشهداء هنا بدون أغطية. دون رمال كافية تغطي أجسادهم، دون قبرٍ منفصل، دون أن يدوّن اسم الشهيد على شاهد يخبر المارين بأن رُفاته هنا"، يقول محمد كلّوب ابن معسكر جباليا لـ"نوى"، ويكمل بحرقة: "تتحلل الجثث في الشوارع، وتُترك طعامًا للقطط والكلاب الضالة".

أخذ محمد على عاتقه برفقة مجموعةٍ من الشبان في شمالي قطاع غزة، إكرام الشهداء بدفنهم، "حتى لو لم تكن الظروف مواتية لذلك".

"لقد مشيت بين الجثامين في الشوارع، وشعرت بالعجز في لحظاتٍ قاسية وثقيلة من التدمير واستهداف الناس تحت جحيم القصف المستمر" يخبرنا، وهذا ما دفعه لقصد كل مكان وقعت فيه مجزرة واستشهد فيها العشرات، "هناك أبحثُ عن ساحة، وأحفرها لتتسع لأكبر عدد ممكن منهم" يعقب.

ويضيف: "كنتُ أبكي الشهداء وأتمنى لو كان قلبي مقبرة يدفنون فيها، كل ما استطعتُ فعله هو المشاركة في حفر حفرة كبيرة لدفنهم قبل النزوح. في المقابل، كان هناك الكثير من الناس الذين حوصروا بقصف طائرات الموت، ولم يحظوا حتى بدفن جماعي".

"ما الذي دفعك للقيام بهذا؟" يجيبنا أنه في أحد الأيام استيقظ من النوم، وراح يغسل وجهه من صنبور برميل يعبّأ بطريقة يدوية، إلا أنه صدم بيد شهيد طارت إلى جانب البرميل جراء استهدافه، وأشلاء معلقة على الجدران المقابلة، لم تكن معروفة لمن، كانت تُجمع وتدفن في المقابر الجماعية!

عن واحد من المواقف، يخبرنا: "في أحد الأيام تم انتشال 80 شهيدًا في مجزرة وقعت بجباليا، لكن لم يتم العثور على ساحة للدفن سوى بمنطقة السوق التي تحولت إلى مقبرة جماعية. بالكاد اتسعت لدفن الضحايا تحت نيران القصف التي أصابت أحد المساهمين بشظية برقبته".

يتابع: "أخذنا الشهداء خلال أقل من ساعة. لم نستطع إلى الوصول للمحاصرين في منازلهم، وهذا كان أكثر ما يقتلنا".

الشهداء بالنسبة إلى محمد ورفاقه، ليسوا غرباء حتى وإن كانوا لا يعرفونهم شخصيًا، "فنحن أهالي كل الشهداء، الذين نعرفهم والذين لا نعرفهم، كلهم أحبابنا، هم أعمام وأخوال وإخوة وأخوات وآباء وأمهات لنا جميعًا" يزيد.

ومسألة البحث عن مساحاتٍ للدفن ليست سهلة في مدينة أضحت ركامًا جراء القصف الإسرائيلي العنيف للمنازل والشوارع والمستشفيات والمساجد والمدارس، هي مهنة محفوفة المخاطر بلا أجر مادي، بل إنساني بحت في زمن عزّت فيه الإنسانية وشحّت عن غزة.

غير ذلك، حمل محمد الجثامين على عربات الدواب، وأحيانًا على عربات بناء يجرها إنسان في عملية مرهقة جسديًا ونفسيًا، "ومن ضمنهم الكثير من المجهولين، خاصة بمنطقة مستشفى كمال عدوان في مدينة بيت لاهيا شمالًا، التي تشهد حاليًا مجازر قاسية، وحصارًا مرعبًا" يعقب.

أكثر ما كان مأساويًا بنظر الشاب، حين دُفن بعض الشهداء بدون أغطية أو أكفان، كون مخزونها انتهى بسبب الأعداد المهولة للشهداء، غير أنهم قاموا في بعض الأوقات بطمر جثامين الناس بطبقة رملية تقدر بـ٢٠ سم فقط، فتوضع الحجارة فوق الرمال للإشارة إلى أن قبورًا توجد هنا.

يكمل: "نحمل الجثامين على عربات الدواب، بينهم الكثير من المجهولين في كمال عدوان، ومن ضمنهم يأتي بهم عائلاتهم لمساعدتهم بالدفن وإيجاد قبر أو حفرة".

نقل بعض الناس جثامين أبنائهم معهم في رحلة النزوح؛ لدفنها بجانب الخيام خوفًا من أن تجرفها آليات الاحتلال المتوغلة في المناطق المستهدفة.

وفي قصص أخرى نقل بعض الناس جثامين أبنائهم معهم في رحلة النزوح؛ لدفنها بجانب الخيام خوفًا من أن تجرفها آليات الاحتلال المتوغلة في المناطق المستهدفة.

يختم محمد قوله: "الحياة في غزة عبارة عن كتلة من الجحيم، لا يوجد إنسان هنا لا يعاني. حرب إبادة بما تحمل الكلمة من معنى. غزة لا يوجد بها إنسان واحد سوي أو سليم بعد كل الظروف التي عاشها عما يزيد عن العام".